الكتاب فعمل بما علم، فكان عند الله مستجاب الدعوة لعلمه وعمله، وهذا أصوب
الأقوال - والله أعلم بما ينزل.
وقد يرى من يدعو الله يا حي يا قيوم، وبغير ذلك مما ذكر أنه اسم الله الأعظم،
ثُمَّ قد لا يستجاب له، وقال الله - جلَّ جلالُه -: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ(27) . أي:
القبول الأعلى، والمتقون هنا هم أهل التحقق في التقوى الذين راقبوا الله في السر
والعلانية.
(فصل)
إجابة الدعاء من قبيل العطايا والهبات، ويقوي استجاب هبة ذلك بلزوم
التقوى والتزام العلم، وتحقيق اليقين واستشعار صدق التوكل والشروط التي أمر بها
الداعي، وأعني بالإجابة هنا: إحضار المسئول حين السؤال، وإلا فهو - جل ذكره
-قد وعد كل من دعاه أن يجيبه، وكيف يجيبه وهو من العمل (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ(7) .
وقد بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك بقوله:"هو بين إحدى ثلاث إما أن يعجل له وإمَّا أن يؤجل له ذلك إلى أجله المقدر له أو يدخر له إلى يوم الجزاء".
(فصل)
قال الله - جلَّ من قائل - في قصصه الحق الذي ذكر فيه سبأ:(وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ
وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً)وأكثر ما قيل في بُعد ما بين
الشام والسد مسيرة شهر، وكان - صلى الله عليه وسلم - تسير به الريح على هيئتها ورخائها شهرًا رواحًا
وشهرًا غدوًا، فتضمن له العفريت أن يأتيه بعرشها في مثل نصف النهار أو ما يقارب
ذلك، وذلك منه مع إسراعه لمثلي مدة معهود سير سُلَيْمَان - عليه السَّلام - .
وإذا كانت الريح تسير به على رخائها، وهو سعة الخطو مع المهل، فلربما بلغ
العفريت مع الإسراع بين المر والقفل مثل ذلك وأكثر، فقرب ذلك من المعهود عند
سُلَيْمَان - عليه السَّلام - وأراد أسرع من ذلك، فتضمن له الذي عنده علم من الكتاب أن يكون
إتيانه به أسرع من ارتداد الطرف، وتحقيق ذلك: أن تقع العين على مرئي ما فيجذب
المر بذلك المرئي، فأتى حال وقوع النظر في الرتبة دون زمان محسوس، فيرجع