وَقالَ: يا أَيُّهَا النَّاسُ، عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ أي قال سليمان متحدثا بنعمة الله عليه أن ربه علّمه لغة الطير والحيوان إذا صوّت، فأستطيع التمييز بين مقاصده من نوع تصويته. وربما فهم بعض الناس الذين يقدمون خدمات للحيوان بعض أصوات الحيوانات، كالخيول والبغال والحمير والأبقار والإبل والقطط، فيدركون رغبتها في الأكل أو الشرب، ويفهمون تألمها عند المرض أو
الضرب. وأدرك أناس في العصر الحديث كثيرا من لغات الطيور حال الحزن أو الفرح أو الحاجة إلى الطعام والشراب والاستغاثة وغير ذلك بالتجربة والملاحظة وتشابه النغمات في حال واحدة، كما حاولوا معرفة لغات الحشرات كالنمل والنحل.
قال البيضاوي: ولعل سليمان عليه السلام كان إذا سمع صوت حيوان، علم بقوّته الحدسية التخيل الذي صوّته، والغرض الذي توخاه به، ومن ذلك ما حكي: أنه مرّ ببلبل يصوّت ويرقص، فقال سليمان: إنه يقول: «إذا أكلت نصف تمرة فعلى الدنيا العفاء» وصاحت فاختة، فقال: إنها تقول: «ليت الخلق لم يخلقوا» فلعل صوت البلبل كان عن شبع وفراغ بال، وصياح الفاختة عن مقاساة شدة وتألم قلب.
وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أي وأعطينا خيرا كثيرا من كل شيء في الدين والدنيا من ملك وثروة. وهذا الأسلوب كما ذكر الزمخشري يراد به كثرة ما أوتي كما تقول: فلان يقصده كل أحد، ويعلم كل شيء، تريد كثرة قصّاده ورجوعه إلى غزارة في العلم واستكثار منه، ومثله قوله تعالى في مقال الهدهد عن بلقيس:
وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ [النمل 27/ 23] .
والضمير في عُلِّمْنا، وَأُوتِينا لسليمان ولأبيه، أو له وحده، على عادة الملوك، لمراعاة قواعد السياسة.
إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ أي إن هذا المؤتى من الخيرات والنعم من النبوة والملك والحكم، لهو الفضل الإلهي الظاهر البيّن الذي لا يخفى على أحد، وهو فضل الله علينا. وهو قول وارد على سبيل الشكر والمحمدة، كما
قال
رسول الله صلّى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم وأبو داود عن أبي هريرة: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، ولا فخر»
أي أقول هذا القول شكرا، ولا أقوله فخرا.
2 -جنود سليمان: