وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ: هَذِهِ «يَا» الَّتِي تَدْخُلُ لِلنِّدَاءِ يُكْتَفَى بِهَا مِنَ الِاسْمِ، وَيُكْتَفَى بِالِاسْمِ مِنْهَا، فَتَقُولُ: يَا أَقْبِلْ، وَزَيْدٌ أَقْبِلْ، وَمَا سَقَطَ مِنَ السَّوَاكِنِ فَعَلَى هَذَا.
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: {يُخْرِجُ الْخَبْءَ} يُخْرِجُ الْمَخْبُوءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مِنْ غَيْثٍ فِي السَّمَاءِ، وَنَبَاتٍ فِي الْأَرْضِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَبِالَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ عِبَارَتُهُمْ عَنْهُ.
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ:"خَبْءُ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ: مَا جَعَلَ اللَّهُ فِيهَا مِنَ الْأَرْزَاقِ، وَالْمَطَرُ مِنَ السَّمَاءِ، وَالنَّبَاتُ مِنَ الْأَرْضِ، كَانَتَا رَتْقًا، لَا تُمْطِرُ هَذِهِ وَلَا تُنْبِتُ هَذِهِ، فَفَتَقَ السَّمَاءَ، وَأَنْزَلَ مِنْهَا الْمَطَرَ، وَأَخْرَجَ النَّبَاتَ"
عَنْ حَكِيمِ بْنِ جَابِرٍ، فِي قَوْلِهِ: « {أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} وَيَعْلَمُ كُلَّ خَفِيَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ»
وَقِيلَ: يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، لِأَنَّ الْعَرَبَ تَضَعُ «مِنْ» مَكَانَ «فِي» وَ «فِي» مَكَانَ «مِنْ» فِي الِاسْتِخْرَاجِ.
{وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ}
يَقُولُ: وَيَعْلَمُ السِّرَّ مِنْ أُمُورِ خَلْقِهِ، هَؤُلَاءِ الَّذِينَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَالْعَلَانِيَةَ مِنْهَا، وَذَلِكَ عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ أَلَّا بِالتَّشْدِيدِ.
وَأَمَّا عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ بِالتَّخْفِيفِ فَإِنَّ مَعْنَاهُ: وَيَعْلَمُ مَا يُسِرُّهُ خَلْقُهُ الَّذِينَ أَمَرَهُمْ بِالسُّجُودِ بِقَوْلِهِ: «أَلَا يَا هَؤُلَاءِ اسْجُدُوا» .
وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ أُبَيٍّ: (أَلَّا تَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَمَا تُعْلِنُونَ) .
وَقَوْلُهُ: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: اللَّهُ الَّذِي لَا تَصْلُحُ الْعِبَادَةُ إِلَّا لَهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، لَا مَعْبُودَ سِوَاهُ تَصْلُحُ لَهُ الْعِبَادَةُ، فَأَخْلِصُوا لَهُ الْعِبَادَةَ، وَأَفْرِدُوهُ بِالطَّاعَةِ، وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا.
{رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ}
يَعْنِي بِذَلِكَ: مَالِكُ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ الَّذِي كُلُّ عَرْشٍ وَإِنْ عَظَمَ فَدُونَهُ، لَا يُشْبِهُهُ عَرْشُ مَلِكَةِ سَبَأَ وَلَا غَيْرُهُ.
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ؛ فِي قَوْلِهِ:" {أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ} إِلَى قَوْلِهِ {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} هَذَا كُلُّهُ كَلَامُ الْهُدْهُدِ". انتهى انتهى. {تفسير الطبري. 18/}