يَعْنِي تَمْلِكُ سَبَأَ، وَإِنَّمَا صَارَ هَذَا الْخَبَرُ لِلْهُدْهُدِ عُذْرًا وَحُجَّةً عِنْدَ سُلَيْمَانَ دَرَأَ بِهِ عَنْهُ مَا كَانَ أَوْعَدَ بِهِ، لِأَنَّ سُلَيْمَانَ كَانَ لَا يَرَى أَنَّ فِي الْأَرْضِ أَحَدًا لَهُ مَمْلَكَةٌ مَعَهُ، وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا حُبِّبَ إِلَيْهِ الْجِهَادُ وَالْغَزْوُ، فَلَمَّا دَلَّهُ الْهُدْهُدُ عَلَى مُلْكٍ بِمَوْضِعٍ مِنَ الْأَرْضِ هُوَ لِغَيْرِهِ، وَقَوْمٍ كَفَرَةٍ يَعْبُدُونَ غَيْرَ اللَّهِ لَهُ فِي جِهَادِهِمْ وَغَزْوِهِمُ الْأَجْرُ الْجَزِيلُ وَالثَّوَابُ الْعَظِيمُ فِي الْآجِلِ، وَضَمُّ مَمْلَكَةٍ لِغَيْرِهِ إِلَى مُلْكِهِ، حَقَّتْ لِلْهُدْهُدِ الْمَعْذِرَةُ، وَصَحَّتْ لَهُ الْحُجَّةُ فِي مَغِيبِهِ عَنْ سُلَيْمَانَ.
وَقَوْلُهُ: {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ}
يَقُولُ: وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْتَاهُ الْمَلِكُ فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا مِمَّا يَكُونُ عِنْدَهُمْ مِنَ الْعَتَادِ وَالْآلَةِ.
عَنِ الْحَسَنِ، قَوْلَهُ:" {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} "
يَعْنِي: مِنْ كُلِّ أَمْرِ الدُّنْيَا""
وَقَوْلُهُ {وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ}
يَقُولُ: وَلَهَا كُرْسِيُّ عَظِيمٌ. وَعُنِيَ بِالْعَظِيمِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الْعَظِيمُ فِي قَدْرِهِ، وَعَظَّمَ خَطَرَهُ، لَا عَظَّمَهُ فِي الْكِبَرِ وَالسَّعَةِ.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ:" {وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} قَالَ: سَرِيرٌ كَرِيمٌ، قَالَ: حَسَنُ الصَّنْعَةِ، وَعَرْشُهَا: سَرِيرٌ مِنْ ذَهَبٍ، قَوَائِمُهُ مِنْ جَوْهَرٍ وَلُؤْلُؤٍ"
وَقَوْلُهُ: {وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ}
يَقُولُ: وَجَدْتُ هَذِهِ الْمَرْأَةَ مَلِكَةَ سَبَأٍ، وَقَوْمَهَا مِنْ سَبَإٍ، يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ فَيَعْبُدُونَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ.
وَقَوْلُهُ: {وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ}
يَقُولُ: وَحَسَّنَ لَهُمْ إِبْلِيسُ عِبَادَتَهُمُ الشَّمْسَ، وَسُجُودَهُمْ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَحَبَّبَ ذَلِكَ إِلَيْهِمْ.
{فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ}
يَقُولُ: فَمَنَعَهُمْ بِتَزْيِينِهِ ذَلِكَ لَهُمْ أَنْ يَتَّبِعُوا الطَّرِيقَ الْمُسْتَقِيمَ، وَهُوَ دَيْنُ اللَّهِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ أَنْبِيَاءَهُ، وَمَعْنَاهُ: فَصَدَّهُمْ عَنْ سَبِيلِ الْحَقِّ.
{فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ}