قَوْلُهُ: {وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا}
اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ: {وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا} عَلَى التَّوْحِيدِ , وَوَجَّهُوا تَأْوِيلَ ذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ جَعَلَ فِيهَا الشَّمْسَ , وَهِيَ السَّرَّاجُ الَّتِي عَنِيَ عِنْدَهُمْ بِقَوْلِهِ: {وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا}
وَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفِيِّينَ: (وَجَعَلَ فِيهَا سُرُجًا) عَلَى الْجِمَاعِ , كَأَنَّهُمْ وَجَّهُوا تَأْوِيلَهُ: وَجَعَلَ فِيهَا نُجُومًا {وَقَمَرًا مُنِيرًا} وَجَعَلُوا النُّجُومَ سُرُجًا إِذْ كَانَ يُهْتَدَى بِهَا.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ فِي قِرَاءَةِ الْأَمْصَارِ , لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَجْهٌ مَفْهُومٌ , فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ.
وَقَوْلُهُ: {وَقَمَرًا مُنِيرًا}
يَعْنِي بِالْمُنِيرِ: الْمُضِيءَ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (62) }
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً} فَقَالُ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَلَفًا مِنَ الْآخَرِ , فِي أَنَّ مَا فَاتَ أَحَدَهُمَا مِنْ عَمَلٍ يُعْمَلُ فِيهِ لِلَّهِ أُدْرِكَ قَضَاؤُهُ فِي الْآخَرِ.
عَنْ شَقِيقٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ , فَقَالَ: فَاتَتْنِي الصَّلَاةُ اللَّيْلَةَ , فَقَالَ: «أَدْرِكْ مَا فَاتِكَ مِنْ لَيْلَتِكَ فِي نَهَارِكَ , فَإِنَّ اللَّهَ جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ , أَوْ أَرَادَ شَكُورًا»
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ جَعَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُخَالِفًا صَاحِبَهُ , فَجَعَلَ هَذَا أَسْوَدَ وَهَذَا أَبْيَضَ
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَخْلُفُ صَاحِبَهُ , إِذَا ذَهَبَ هَذَا جَاءَ هَذَا , وَإِذَا جَاءَ هَذَا ذَهَبَ هَذَا