(وثالثها) من بعد صلاة العشاء، لأنه وقت التجرد من ثياب اليقظة، ولبس ثياب النوم، فهذه ثلاثة أَوقات يختلُّ فيها تستركم، وتبدو بعض عوراتكم، وقد يكون فيها الرجلَ مع أَهله، فعلِّموا عبيدكم وإماءكم ومن لم يبلغ الحلم من أَطفالكم أدب الاستئذان فيها صيانة لعوراتكم، وتأْديبًا لأتباعكم وأَطفالكم، ليس عليكم ولا عليهم حرج بعد هذه الأوقات في ترك الاستئذان، فهم طوافون عليكم لقضاء مصالحكم، وهم بعض منكم طائف على بعض، فكُلْفَةُ استئذانهم عليكم مرفوعة حينئذ، لأنكم في غير خلوة، ومحتاطون بالتستر في غير هذه الأوقات، ومستعدون للقائهم لقضاء حاجاتكم، مثل ذلك البيان الواضح يبين الله لكم سائر آياته التشريعية، والله عليم بمصالحكم، حكيم فيما يشرعه لكم.
59 - {وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} :
لما بَين الله في الآية السابقة حكم الأطفال الذين لم يبلغوا الحلم: وهو أنهم لا يُلزَمون بالاستئذان إِلا في الأوقات الثلاثة المبينة فيها، عقبها الله هذه الآية لبيان حكم الأطفال الذين بلغوا، سواءٌ أكانوا أَقارب أَم أجانب - كما قاله أبو حيان في البحر وقد بين الله - تعالى - في الآية أَنهم يستأذنون كما استأذن الذين من قبلهم في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ... } الآية، وذلك بأن يستأْذنوا في جميع الأوقات قبل الدخول، ويرجعوا إن قيل لهم: ارجعوا.
وأخرج ابن أَبي حاتم عن سعيد بن المسيب أنه قال: يستأذن الرجل على أمه، وأخرج البخاري في الأدب، وابن أَبي حاتم وغيرهما عن عطاء أَنه سأل ابن عباس - رضي الله عنهما - أأَستأذن على أختي؟ قال: نعم، قلت: إنها في حجرى - أي: في كفالتي - وأَنا أنفق عليها، وإِنها معى في البيت، أَأَستاذن عليها؟ قال: نعم - ثم قال: فالإذن واجب على خلق الله أجمعين.