وحين نفى الحرج عنهم في نفس الأكل أراد أن ينفي الحرج عنهم في كيفية الأكل فقال {ليس عليكم جناح أن تأكلوا} وانتصب قوله {جميعاً أو اشتاتاً} على الحال أي مجتمعين أو متفرقين. والأشتات جمع شت وهو نعت وقيل مصدر وصف به. ثم اجمع أكثر المفسرين ومنهم ابن عباس على أنها نزلت في بني ليث بن عمرو من كنانة كانوا يتحرّجون عن الانفراد في الطعام ، فربما قعد الرجل منتظراً نهاره إلى الليل فإن لم يجد من يؤاكله أكل. وقال عكرمة وأبو صالح: نزلت في قوم من الأنصار لا يأكلون إلا مع ضيفهم. وقال الكلبي: كانوا إذا اجتمعوا ليأكلوا طعاماً عزلوا للأعمى طعاماً على حدة ، وكذلك الزمن والمريض فبين الله لهم أن ذلك غير واجب. وقال آخرون: كانوا يأكلون فرادى خوفاً من أن يحصل عند الجمعية ما ينفر أو يؤذى فرفع الله الحرج. ثم علمهم أدباً جميلاً قائلاً {فإذا دخلتم بيوتاً} أي من البيوت المذكورة لتأكلوا {فسلموا على أنفسكم} أي ابدؤا بالسلام على أهلها الذين هم منكم ديناً وقرابة وانتصب {تحية} ب {سلموا} نحو"قعدت جلوساً"ومعنى {من عند الله} أنها ثابتة من عنده مشروعة من لدنه ، أو أراد أن التحية طلب حياة للمخاطب من عند الله وكذا التسليم طلب السلامة له من عنده. ووصفها بالبركة والطيب لأنها دعوة مؤمن لمؤمن يرجى بها من الله زيادة الخير وطيب الرزق وتضعيف الثواب. عن أنس قال: كنت واقفاً على رأس النبي صلى الله عليه وسلم أصب الماء على يديه فرفع رأسه فقال:"ألا أعلمك ثلاث خصال تنتفع بها؟ قلت: بلى بأبي وأمي يا رسول الله. قال: متى لقيت من أمتى أحداً فسلم عليه يطل عمرك ، وإذا دخلت بيتك فسلم عليهم يكثر خير بيتك ، وصلّ صلاة الضحى فإنها صلاة الأبرار الأوّابين"قال العلماء: إن لم يكن في البيت أحد فليقل"السلام علينا من ربنا ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين"ومن صور الإذن قوله سبحانه {وإنما المؤمنون} الآية.