جماعة مرَّ بها من المسلمين: من غاب من عباد الله الصالحين، وإن ذلك إعلام منه
أن هذه التحية هي من عند الله حباه بها ومن في المسجد، ومن غاب من صالحي
عباده على لسان نفسه.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"ما من عبد توضأ فأحسن الوضوء ثم عمد إلى بيت من"
بيوت الله ليصلي فيه إلا تبشبش الله له كما يتبشبش أهل الغائب بطلعته إذا قدم من غيبته"."
وفي أخرى:"إلا قال الله له في ملكوت عرشه: عبدي زارني وعليَّ قراه، ولن"
أرضَ له بقرى إلا في الجنة"."
فهذا معنى قوله - جلَّ جلالُه -: (تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً) والله أعلم بما ينزل،
لذلك أعقب بقوله الحق: (كَذَلِكَ) أي: كما في الجنة تحيتكم، تحيتكم هنا غير أن
التحية في الجنة ظاهرة وفي هذه باطنة (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ(61)
أي: هذه بهذه (وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ(4) .
ثم أرجع المعنى إلى الأمر بطاعة الرسول وأن من رضاه - عز وجل - ألا يخرج أحد من
جمع جمعهم إليه وأمر حزبهم إلا بإذنه وأمره، وذم المتسللين عنه المتلوذين بقلة
طاعتهم، وثقل أمره عليهم، وكان المنافقون إذا أراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الخروج إلى
جهاد أو أراد أن يجمع المسلمين لأمر كحفر الخندق وغيره تسللوا وذهبوا عنه،
وأوعدهم على ذلك وعيدًا شديدًا بقوله: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ) أي: في الدين فلا يهتدوا لمرشد (أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(63) .
في الدنيا والآخرة، فاتقى عبد ربه ولا يترك طاعة نبيه إلى طاعة
سواه.
قوله تعالى: (لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ ...(63) . أي: لا
تدعونه: يا محمد، باسمه ولا باسم أبيه ولا بكنيته، بل قولوا: يا نبي الله، يا
رسول الله، ونحو هذا، ويتخرج أيضًا على معنى آخر: (لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ)
إلى طاعته كدعاء بعضكم بعضا، إنما طاعته من طاعة الله (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ