عَنْ أَمْرِهِ) المعنى وقد تقدم ختم السورة بجامعة معنى السورة كلها.
قوله الحق: (أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ...(64) . هذا من نوره في السماوات
والأرض، ثم قال: (وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا) هذا من
معنى ما فيها من أمر ونهي ووعظ ووعد ووعيد.
قوله - جلَّ جلالُه -: (قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا) وقوله:(قَدْ
يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ)حرف"قد"كما قالوا: يجيء بمعنى التوقع لأمر
مترقب، وقد يجيء الإخبار عن وجوب الشيء في الفرط أو على الأكثر، كما قال
الشَّاعر:
قَد يدْرِك الْمتأنِّي بَعضَ حَاجَتِهِ ... وَقَدْ يَكون مَعَ المُسْتَعجِلِ الزَّلَل
هذا إذا اقترن هذا الحرف بفعل مستقبل والله - جل ذكره(لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ
ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ)وقد علم الكائنات جميعًا قبل تكوينه
إياها كتبها في الذكر الأول كل إلى إنابة، يؤجل إلى آجاله، فأجل كل كائن مترقب
وأجله مؤقت.
فتخريج قوله تعالى: (قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا) أي:
ذلك قد بدا منكم فيعلمه الله واقعًا منكم كما كان قبل يعلمه أنه سبقع منكم، وعلى
المخلوق تختلف الأحوال كذلك قوله: (قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ) أي: قد
ظهر ذلك منكم ووقع قد علمه قبل منكم في الأزل أنه كائن، وقد يعلم الآن أنه
واقع، كما يقال: قد يطلع الفجر، إذا بدت تباشيره، ويقولون: قد يدخل البرد، قد
يظهر الحر، قد تطلع الثريا، قد يطلع نجم كذا عند أوائل ذلك.
كذلك قوله - جلَّ من قائل: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ)
أي: أن الذي بدا منهم قد قدرناه في الأزل من توجيه العباد إلى البيت الحرام، ثم من
توجيههم إلى بيت المقدس، ثم من توجيههم إلى البيت الحرام؛ لعود أواخر الكلمة
إلى أوائلها، قد نعلم يا محمد سبب ذلك بتقليبنا لوجهك في السماء(فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً
تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ)المعنى قوله تعالى:
(فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ...) . انتهى انتهى {تفسير ابن برجان. 4/ 162 - 170} ...