وفي الأسلوب الذي يصوره الإعراب تجد الانقطاع عن النسق الإعرابي فِي القول يتغير بتغيُّر وجه الإعراب من غير خطأ ، بل يقصد معنى من معاني التخصيص يكون النطق فِي الانقطاع قائمًا مقام وضع خطوط تحت الكلمات ، كما يفعل الكاتبون غير الأميين ، وهكذا كان النطق قائمًا مقام خطوط الكاتبين فِي تنبيهها ، وشدة الاختصاص فِي دقة المعاني ، فهي بحق لغة إفصاح ، وذلك لقوة المدارك ، وعلوِّ الأفكار ، والنزوع إلى السموِّ والمعالي مع الأمية وغلبة البدوية.
وقد ظهر ذلك فِي أمرين: أحدهما أنَّ الجزء الذي دخلته حضارة من البلاد العربية كاليمن والحيرة والبحرين لم تكن عندهم فصاحة ، كالذين لم تسيطر عليهم الحضارة فِي قوة الإفصاح والبيان وسلامة التعبير ، فلم تكن اليمنية كالعدنانية ، ولا لغة أهل البادية كلغة قريش ؛ لأن قريشًا قد قاربت وذاقت بعض الحضارة ، وبقيت أميتها.
الأمر الثاني: فِي المسابقات البيانية التي كانت تعقد فِي الأسواق فِي موسم الحج فِي عكاظ ، ومجنة ، وذي المجاز ، فقد كانت فيها تجارة المادة ، وتجارة البيان معًا ، فقد كان فِي الأولى زاد الجسم ، وفي الثانية زاد النفس ، كما ظهر ذلك فِي الشعر ومسابقاته ، فمن معلقات تعلق فِي أستار الكعبة ، وحوليات يقطع الحول فِي نسخ خيالها ، ووصغ عباراتها التاي تصغي إليها الأفئدة.