{وَمَا أرسلناك إِلاَّ رَحْمَةً للعالمين} أي وما أرسلناك يا محمد بالشرائع والأحكام إلا رحمة لجميع الناس ، والاستثناء مفرّغ من أعمّ الأحوال والعلل ، أي ما أرسلناك لعلة من العلل إلا لرحمتنا الواسعة ، فإن ما بعثت به سبب لسعادة الدارين ، قيل: ومعنى كونه رحمة للكفار: أنهم أمنوا به من الخسف والمسخ والاستئصال ، وقيل: المراد بالعالمين: المؤمنون خاصة ، والأوّل أولى بدليل قوله سبحانه: {وَمَا كَانَ الله لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ} [الأنفال: 33] .
ثم بيّن سبحانه أن أصل تلك الرحمة هو التوحيد والبراءة من الشرك فقال: {قُلْ إِنَّمَا يوحى إِلَيَّ أَنَّمَا إلهكم إله واحد} إن كانت"ما"موصولة فالمعنى: أن الذي يوحى إليّ هو أن وصفه تعالى مقصور على الوحدانية لا يتجاوزها إلى ما يناقضها أو يضادّها ، وإن كانت"ما"كافة فالمعنى: أن الوحي إليّ مقصور على استئثار الله بالوحدة ، ووجه ذلك أن القصر أبداً يكون لما يلي إنما ، فإنما الأولى لقصر الوصف على الشيء كقولك: إنما يقوم زيد ، أي ما يقوم إلا زيد.
والثانية لقصر الشيء على الحكم كقولك: إنما زيد قائم ، أي ليس به إلا صفة القيام {فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ} منقادون مخلصون للعبادة ولتوحيد الله سبحانه.
{فَإِن تَوَلَّوْاْ} أي أعرضوا عن الإسلام {فَقُلْ} لهم {آذنكم على سَوَاء} أي: أعلمتكم أنا وإياكم حرب لا صلح بيننا كائنين على سواء في الإعلام لم أخصّ به بعضكم دون بعض كقوله سبحانه: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فانبذ إِلَيْهِمْ على سَوَاء} [الأنفال: 58] أي أعلمهم أنك نقضت العهد نقضاً سوّيت بينهم فيه.