قال تعالى: {فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (50) } [القلم: 50] ، فشهادة الله ليونس بهذه الآية تنبهنا إلى عدم اتهامه بما يتنافى مع هذه الشهادة العظيمة.
وكذلك قبول الله دعاءه يدل على قربه من الله، قال تعالى: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88) } [الأنبياء: 88] .
الثالث: ثناء النبي - صلى الله عليه وسلم - على يونس - عليه السلام - يدل على أن النهي لم يكن عامًا.
عن ابن عباس - رضي الله عنه - عَنِ النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"لا ينبغي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى".
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رضي الله عنه - عَنِ النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"لا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ إني خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ".
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - عَنِ النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"مَنْ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى فَقَدْ كَذَبَ".
وأما عن قولهم أنه أقر على نفسه أنه كان من الظالمين بقوله: {إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} والظلم من أسماء الذم لقوله تعالى: {أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [هود: 18] .
فالجواب عليها من وجوه:
الوجه الأول: الظلم وضع الشيء في غير موضعه فلما وضع النبي - صلى الله عليه وسلم - المغاضبة في غير موضعها اعترف في ذلك بالظلم لا على أنه قصده وهو يدري أنه ظلم.
الوجه الثاني: لا شك أنه كان تاركًا للفضيلة مع القدرة على تحصيل الأفضل، فكان ذلك ظلمًا.
الوجه الثالث: {إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} يريد فيما خالف فيه من ترك مداومة قومه والصبر عليهم.
الوجه الرابع: يعني لنفسي في الخروج من غير أن تأذن لي، ولم يكن ذلك عقوبة من الله، لأن الأنبياء لا يجوز أن يعاقبوا، وإنما كان تأديبًا، وقد يؤدب من لا يستحق العقاب كالصبيان.
الوجه الخامس: اعتراف العبد بأنه مذنب أو ظالم لنفسه ليس اتهامًا له، بل هذا من مناقبه.