قُلْنَا: قَالَ من ولد للْمُبَالَغَة؛ فَإِن الرجل قد يَقُول: مَا اتخذ فلَان فرسا يُرِيد الْعدَد، وَإِن كَانَ قد اتخذ وَاحِدًا، فَإِذا قَالَ: مَا اتخذ فلَان من فرس، يكون ذَلِك نفيا للْوَاحِد وَالْعدَد.
وَقد بَينا أَن الْوَلَد يكون من جنس الْوَالِد، وَالله لَا جنس لَهُ.
قَوْله تَعَالَى: {لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا}
«فإنْ قيلَ» : أَيجوزُ اسْتثنَاء السَّلَام من اللَّغْو؛ وَهُوَ لَيْسَ من جنسه؟
قُلْنَا: هُوَ اسْتثنَاء مُنْقَطع كَمَا بَينا.
وَذكر الْأَزْهَرِي أَن تَقْدِيره: لَا يسمعُونَ فِيهَا لَغوا، لَا يسمعُونَ إِلَّا سَلاما.
وَأما السَّلَام فَهُوَ تَسْلِيم بَعضهم على بعض.
وَقيل: تَسْلِيم الله عَلَيْهِم. وَيُقَال: هُوَ قَول يسلمُونَ مِنْهُ، وَالسَّلَام اسْم لكَلَام جَامع للخيارت، وَمِنْهُم من قَالَ: هُوَ اسْم لكَلَام يتَّصل بِهِ السَّلامَة.
قَوله: {وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ}
قَرَأَ ابْن مَسْعُود:"ونرثه مَا عِنْده"
«فإنْ قيلَ» : القَوْل كَيفَ يُورث وَالْمَعْرُوف {ونرثه مَا يَقُول} ؟!
وَالْجَوَاب عَنهُ قَالَ ثَعْلَب: مَعْنَاهُ: ونرثه مَا زعم أَن لَهُ مَالا وَولدا، أَي: لَا يُعْطِيهِ، وَيُعْطِي غَيره، فَيكون الْإِرْث رَاجعا إِلَى مَا تَحت القَوْل، لَا إِلَى نفس القَوْل.
وَيجوز أَن يكون معنى قَوْله: {وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ} أَي: ونرثه مَا عِنْده، على مَا قَرَأَ ابْن مَسْعُود.
وَفِي الْآيَة قَول ثَالِث: وَهُوَ أَن معنى قَوْله: {وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ} أَي: نَحْفَظ مَا يَقُول حَتَّى يجازَى بِهِ.
قَوْله تَعَالَى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (83) }
«فإنْ قيلَ» : أتقولون: إِن الشَّيَاطِين مرسلون، وَالله قَالَ: {وَسَلام على الْمُرْسلين} فَإِذا كَانُوا مرسلين وَجب أَن يدخلُوا فِي جُمْلَتهمْ؟
وَالْجَوَاب عَنهُ: أَنه لَيْسَ معنى الْإِرْسَال هَاهُنَا هُوَ الْإِرْسَال الَّذِي يوجد فِي الْأَنْبِيَاء، وَلَكِن معنى الْإِرْسَال هَاهُنَا أحد الشَّيْئَيْنِ: إِمَّا التَّخْلِيَة بَينهم وَبَين الْكفَّار، وَإِمَّا التسليط على الْكفَّار. انتهى انتهى {تفسير السمعاني} ...