وَالثَّانِي: قَوْلُهُ: (لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها) [الْأَنْبِيَاءِ: 102] وَلَوْ وَرَدُوا جَهَنَّمَ لَسَمِعُوا حَسِيسَهَا.
وَثَالِثُهَا: قَوْلُهُ: (وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ) [النحل: 89]
وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: إِنَّهُ عَامٌّ فِي كُلِّ مُؤْمِنٍ وَكَافِرٍ لِقوله تَعَالَى: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها) فَلَمْ يَخُصَّ.
وَهَذَا الْخِطَابُ مُبْتَدَأٌ مُخَالِفٌ لِلْخِطَابِ الْأَوَّلِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا) أَيْ مِنَ الْوَارِدِينَ مَنِ اتَّقَى وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا) إِلَّا وَالْكُلُّ وَارِدُونَ وَالْأَخْبَارُ الْمَرْوِيَّةُ دَالَّةٌ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، ثُمَّ هَؤُلَاءِ اخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِ الْوُرُودِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْوُرُودُ الدُّنُوُّ مِنْ جَهَنَّمَ وَأَنْ يَصِيرُوا حَوْلَهَا وَهُوَ مَوْضِعُ الْمُحَاسَبَةِ، وَاحْتَجُّوا عَلَى أَنَّ الْوُرُودَ قَدْ يُرَادُ بِهِ الْقُرْبُ بِقوله تَعَالَى: (فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ) [يُوسُفَ: 19] وَمَعْلُومٌ أَنَّ ذَلِكَ الْوَارِدَ مَا دَخَلَ الْمَاءَ وَقَالَ تَعَالَى: (وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ) [الْقَصَصِ: 23] وَأَرَادَ بِهِ الْقُرْبَ.
وَيُقَالُ: وَرَدَتِ الْقَافِلَةُ الْبَلْدَةَ وَإِنْ لَمْ تَدْخُلْهَا فَعَلَى هَذَا مَعْنَى الْآيَةِ أَنَّ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ يَحْضُرُونَ حَوْلَ جَهَنَّمَ: (كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا) [مريم: 71] أَيْ وَاجِبًا مَفْرُوغًا مِنْهُ بِحُكْمِ الْوَعِيدِ (ثُمَّ نُنَجِّي) أَيْ نُبْعِدُ الَّذِينَ اتَّقَوْا عَنْ جَهَنَّمَ وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قوله تَعَالَى: (أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ) [الْأَنْبِيَاءِ: 101] وَمِمَّا يُؤَكِّدُ هَذَا الْقَوْلَ مَا رُوِيَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ شَهِدَ بَدْرًا وَالْحُدَيْبِيَةَ فَقَالَتْ حَفْصَةُ: أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها) فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَمَهْ (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا» ،
وَلَوْ كَانَ الْوُرُودُ عِبَارَةً عَنِ الدُّخُولِ لَكَانَ سُؤَالُ حَفْصَةَ لَازِمًا.