وَالْمَعْنَى أَنَّ زَكَرِيَّا عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا رَأَى خَرْقَ الْعَادَةِ فِي حَقِّ مَرْيَمَ عَلَيْهَا السَّلَامُ طَمِعَ فِيهِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ فَدَعَا.
الثَّانِي: وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى صَرَّحَ فِي آلِ عِمْرَانَ بِأَنَّ الْمُنَادِيَ هُوَ الْمَلَائِكَةُ لِقَوْلِهِ: (فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ) [آلِ عِمْرَانَ: 39] وَفِي هَذِهِ السُّورَةِ الْأَظْهَرُ أَنَّ المنادي بقوله: (يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ) [مريم: 7] هُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ. [1] .
الثَّالِثُ: أَنَّهُ قَالَ فِي آلِ عِمْرَانَ: (أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ) [آلِ عِمْرَانَ: 40] فَذَكَرَ أَوَّلًا كِبَرَ نَفْسِهِ ثُمَّ عُقْرَ الْمَرْأَةِ وَهُوَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ قَالَ: (أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا) [مريم: 8] ؟
وَجَوَابُهُ أَنَّ الْوَاوَ لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ.
الرَّابِعُ: قَالَ فِي آلِ عِمْرَانَ: (وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ) وقال هاهنا (وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ)
وَجَوَابُهُ أَنَّ مَا بَلَغَكَ فَقَدْ بَلَغْتَهُ.
الْخَامِسُ: قَالَ فِي آلِ عِمْرَانَ: (آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا) [آل عمران: 41] وقال هاهنا: (ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا) [مريم: 10]
وَجَوَابُهُ: دَلَّتِ الْآيَتَانِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهنَّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[1] في هذه السورة أظهر زكريا - عليه السلام - الفاقة والحاجة إلى الله تعالى - منكسرًا ومتذلِّلًا وراجيًا - فبدأ بقوله (رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا(4) . فاستحق أن ينال شرف البشارة من الله تعالى. والله أعلم.