وأما رحلة ذي القرنين إلى الشمال بين الشرق والغرب وبين السدين وهما جبلان بين أرمينية وأذربيجان، فكانت إنقاذا لشعب مقهور مستضعف يتعرض لغارات القبائل المتوحشة، فيفسدون في الأرض، فبنى لهم سدا منيعا حصينا حماهم من تلك الموجات الغازية، وأعلمهم أن بقاءه مرهون بإرادة الله. وهذا مثل فيه عبرة للدول القوية التي يجب عليها المحافظة على الشعوب الضعيفة، والإبقاء على ثرواتها دون أخذ شيء منها، منعا من الاسهام في إضعافها، وأخذا بيدها نحو الأفضل، وإغاثتها وإنقاذها من التخلف والضياع، فإن ذا القرنين ملك الدنيا أبى أن يأخذ شيئا من أموال أولئك الأقوام، بالرغم من بناء السد الحصين.
3 -قال القرطبي: في هذه الآية (آية السد) دليل على اتخاذ السجون، وحبس أهل الفساد فيها، ومنعهم من التصرف لما يريدونه، ولا يتركون وما هم عليه، بل يوجعون ضربا ويحبسون، أو يكفلون ويطلقون كما فعل عمر رضي الله عنه.
4 -إن أهل الصلاح والإخلاص يحرصون على إنجاز الأعمال ابتغاء وجه الله،
دون انتظار مقابل أو عوض دنيوي من الناس، فإن ذا القرنين الذي أيده الله قال: ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ أي ما بسطه الله تعالى لي من القدرة والملك خير من خرجكم وأموالكم، ولكن أعينوني بقوة الأبدان، أي بالرجال وعمل الأبدان والآلة التي أبني بها السد (الردم) . وهذا بداية النجاح في العمل، فإن القوم لو جمعوا له خرجا، لم يعنه أحد، ولتركوه يبني، فكان عونهم أسرع في إنجاز العمل وإنجاح المشروع.
5 -تدل الآية أيضا: ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ على أن من واجب الملك أو الحاكم أن يقوم بحماية الخلق في حفظ ديارهم، وإصلاح ثغورهم، من أموالهم، بشروط ثلاثة هي:
الأول- ألا يستأثر عليهم بشيء.
الثاني- أن يبدأ بأهل الحاجة فيعينهم.
الثالث- أن يسوّي في العطاء بينهم على قدر منازلهم.
فإذا احتاج الحاكم إلى دعم رعيته، بذلوا أنفسهم قبل أموالهم، ويؤخذ بقدر الحاجة من أموالهم، وتصرف بتدبير، فهذا ذو القرنين أبى أخذ شيء من أموال القوم، قائلا: إن الأموال عندي والرجال عندكم، فكان التطوع بخدمة الأبدان أولى.