قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ قتلا وإهلاكا فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً أي خراجا أي أجرا عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا يعني أنهم أرادوا أن يجمعوا له من بينهم مالا يعطونه إياه؛ حتى يجعل بينهم وبين يأجوج ومأجوج سدا، فقال ذو القرنين بعفة وصلاح، وقصد للخير
قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ أي ما جعلني فيه مكينا من كثرة المال واليسار خير مما تبذلون لي من الخراج، فلا حاجة لي إليه فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أي ساعدوني بقوة أي بعملكم وآلات البناء أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً أي حاجزا حصينا موثقا. قال النسفي: والردم أكبر من السد
آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ أي قطع الحديد، والزبرة:
القطعة الكبيرة حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ أي جانبي الجبلين لأنهما يتصادفان أي يتقابلان. أي وضع بعضه على بعض من الأساس، حتى إذا حاذى به رءوس الجبلين طولا وعرضا قالَ انْفُخُوا أي قال ذو القرنين للعملة: انفخوا في الحديد.
وهذا يفيد أنه أجج عليه النار. وهذا يفيد أنه كان عنده من الوسائل الكثير، إذ النفخ اللازم لتأجيج السد نارا يلزمه وسائل كثيرة، ويبدو أنه كان بين قطع الحديد أشياء قابلة للاحتراق الطويل المدى حَتَّى إِذا جَعَلَهُ ناراً أي حتى إذا جعل المنفوخ فيه نارا وهو الحديد أي جعله كتلا نارية قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً أي أعطوني أصب عليه نحاسا مذابا، إذ القطر: هو النحاس المذاب؛ لأنه يقطر، وهذا يفيد أنه كان يملك من الآلات الشيء الهائل إذ إذابة النحاس والقدرة على صبّه على سد ضخم كله حديد محمر من الحرارة يحتاج إلى آلات وأسباب كثيرة، فإذا عرفنا هذا عرفنا معنى وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً
فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ أي إن يأجوج ومأجوج ما قدروا على أن يصعدوا من فوق هذا السد وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً أي ولا قدروا على نقبه من أسفله