قالَ ذو القرنين هذا أي السد، أو هذا الإقدار والتمكين من تسوية السد رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي أي بالناس حيث جعل بين هؤلاء القوم وبين يأجوج ومأجوج حائلا يمنعهم من الاعتداء
على هؤلاء القوم فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي قال ابن كثير: أي إذا اقترب الوعد الحق. وقال النسفي: فإذا دنا مجيء يوم القيامة وشارف أن يأتي جَعَلَهُ دَكَّاءَ أي ساواه بالأرض. قال النسفي: وكل ما انبسط بعد ارتفاع فقد اندكّ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا أي كائنا لا محالة، هذا آخر قول ذي القرنين وآخر قصته.
كلمة في السياق:
هذه قصة مسلم آتاه الله عزّ وجل من الملك الكثير، ومكّنه في الأرض تمكينا كبيرا، وجعله يسخّر الأسباب كلها. فإذا تذكرنا أن هذه القصة: تفصّل قوله تعالى: وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ* ردا على من يتركون الإسلام ويسخرون من أهله من أجل زينة الحياة الدنيا فإننا نفهم من القصة ما يلي:
لا يظنن ظان أن الدخول في الإسلام لا يعنى التمكين في الأرض، بل على العكس من ذلك، فإن التمكين يكون أكبر.
ولا يظنن ظان أن الدخول في الإسلام يعني ترك الأسباب والبعد عنه، بل على العكس من ذلك، فإن الدخول في الإسلام يعنى اتباع الأسباب كلها، مع التوفيق الرباني لاستعمالها في محلها
ولا يظنن ظان أن الدخول في الإسلام يحرم الإنسان رزقا، بل على العكس من ذلك
فإن الدخول في الإسلام يرافقه الرزق الحسن.
ولا يظنن ظان أن الدخول في الإسلام ينقص من قدر الإنسان بل يكمله. وقد مر معنا من قبل مما له علاقة في محل هذه القصة من السياق ما فيه كفاية.
بحث مهم في فقه العمل للإسلام:
إن المسلمين مكلّفون بإقامة الإسلام ضمن عالم الأسباب، قد يمدهم الله بالخوارق، ولكن التكليف على أساس عالم الأسباب، وهذا يقتضي من المسلمين أن يوجدوا كلّ الأسباب اللازمة والمستطاعة لإقامة الشيء الذي كلفوا به، فهم مكلّفون أن تكون كلمة الله هي العليا في العالمين، فعليهم أن يعملوا من أجل إيجاد الأسباب التي توصل إلى ذلك، وإذا جرّت فريضة على المسلمين في مكان أو زمان، فعليهم أن يبحثوا، وأن يوجدوا الأسباب اللازمة لإقامتها