فلم يكلمه الخضر ، وجعل يخرق السفينة حتى خرقها ، فتنحى موسى وجلس فقال: وما كنت أمنع أن أتبع هذا الرجل يظلم هؤلاء القوم ، وقد كنت في بني إسرائيل أقرأ عليهم كتاب الله غدوة وعشية ، ويقبلون مني فتركتهم وصحبت هذا الرجل الذي يظلم هؤلاء القوم.
فقال الخضر: يا موسى ، أتدري ما حدثت به نفسك؟ فقال موسى: ما هو؟ قال الخضر: قلت: كنت في بني إسرائيل أتلو عليهم كتاب الله غدوة وعشية ، يقبلونه مني فتركتهم وصحبت هذا الرجل الذي يظلم هؤلاء القوم.
قال له: {أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ إِنَّكَ لا تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْراً} .
قال: فجاء عصفور فوقع على جانب السفينة ، فنقر من البحر نقرة من الماء ثمّ طار فقال الخضر: والله ما ذهبت أنا وأنت من العلم في علم الله تعالى ، إلا مثل ما يغرف هذا العصفور من الماء من هذا البحر.
{قَالَ} موسى: {لاَ تُؤَاخِذْنِى بِمَا نَسِيتُ} ، أي بما تركت من وصيتي.
وقال ابن عباس: هذا من معاريض الكلام ، لأن موسى لم ينس ولكن قال: {لاَ تُؤَاخِذْنِى بِمَا نَسِيتُ} يقول إذا كان مني نسيان فلا تؤاخذني به.
{وَلاَ تُرْهِقْنِى مِنْ أَمْرِى عُسْراً} ، يعني: لا تكلفني من أمري شدة.
{فانطلقا} ، أي خرجا من السفينة ومضيا ، {حتى إِذَا لَقِيَا غُلاَمًا} ؛ قال الكلبي: كان اسمه خشنوذ.
وقال غيره: كان اسمه خربث بن كاذري فقتله ، أي أخذ برأسه قرعة.
قال ابن عباس في رواية أبي صالح: كان رجلاً إلا أنه لم يهتك بعد ، وكان كافراً يقطع الطريق ؛ وقال سعيد بن جبير في رواية ابن عباس: كان صبياً غير مدرك فمر بغلمان يلعبون ، فأخذ برأس غلام منهم فقطعه ؛ وقال في بعض الروايات: خنقه ؛ فذلك قوله: {فَقَتَلَهُ} .
وروي أن نجدة الحروري كتب إلى ابن عباس أن النبي نهى عن قتل الصبيان في دار العرب ، وأن صاحب موسى قد قتل صبيّاً قكتب إليه ابن عباس: إنك لو علمت من الصبيان ما علم صاحب موسى ، جاز لك أن تقتله.