والمعنى: صفوفًا يقف بعضهم وراء بعض، غير متفرقين، ولا مختلطين، شبهت حالهم بحال الجند المعروضين على السلطان، ليحكم فيهم بما أراد، لا ليعرفهم، مقولًا لهم وعزتي وجلالي {لَقَدْ جِئْتُمُونا} أيها العباد حالة كونكم كائنين {كَما خَلَقْناكُمْ} خلقا {أَوَّلَ مَرَّةٍ} حفاة عراة غرلًا، بلا أموال، وأعوان، وبنين كما ورد في الحديث، وعن عائشة - رضي الله عنها - قلت: يا رسول الله كيف يحشر الناس يوم القيامة؟ قال: «عراة حفاة» قلت: والنّساء؟ قال: «نعم» قلت: يا رسول الله نستحي؟ قال: «يا عائشة، الأمر أشد من ذلك، لن يهمهم أن ينظر بعضهم إلى بعض» وقوله: {بَلْ زَعَمْتُمْ} إضراب وانتقال من كلام إلى كلام آخر للتقريع، والتوبيخ، وهو خطاب لمنكري البعث؛ أي: بل زعمتم، وقلتم أيها المشركون المنكرون للبعث، والزعم الادعاء بالكذب، {أن} مخففة من الثقيلة؛ أي: بل زعمتم في الدنيا أنه {أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ} في الآخرة أبدًا {مَوْعِدًا} ؛ أي: وقتًا ننجز فيه ما وعدناه لكم على ألسنة الأنبياء من البعث والمحاسبة، والمجازاة خيرًا أو شرًّا.
والحاصل: أنه سبحانه وتعالى ذكر في هذه الآيات من أحوال يوم القيامة أمورًا:
1 - {وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ} ؛ أي: واذكر أيها الرسول قصّة يوم نقلع الجبال من أماكنها، ونسيرها في الجو كالسحاب، ونجعلها هباء منثورا كما قال: {وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا (105) فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا (106) لا تَرى فِيها عِوَجًا وَلا أَمْتًا (107) } ؛ أي: تذهب الجبال، وتتساوى المهاد، وتبقى الأرض سطحًا مستويًا لا عوج فيه، ولا وادي، ولا جبل، وقال: {وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ} وقال: {وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا (5) فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا (6) } .