في قوله"ولا تعد عيناك"مجاز عقلي لأنه أسند فعل عدا أي تجاوز إلى العينين ومن حقه أن يسندهما إليه لأن عدا متعد بنفسه كما تقدم وإنما جنح إلى المجاز لأنه أبلغ من الحقيقة فكأن عينيه ثابتتان في الرنو إليهم وكأنما أدركتا ما لا تدركان وأحستا بوجوب النظر إلى هؤلاء وصبر النفس ورياضتها على ملازمتهم.
وقيل هو من باب التضمين فقد ضمن عدا معنى نبا وعلا من قولهم نبت عينه عنه إذا اقتحمته ولم تعلق به والغرض من هذا التضمين إعطاء مجموع معنيين وذلك أقوى من إعطاء معنى مفرد أي لا تقتحمهم عيناك مجاوزتين إلى غيرهم وهو جميل أيضا.
الفوائد:
القاعدة في اسم التفضيل انه إذا كان مقترنا بأل امتنع وصله بمن الجارة فلا يقال فلان الأفضل من فلان ووجبت مطابقته لما قبله إفرادا وتثنية وجمعا وتذكيرا وتأنيثا وقد شذ وصله بمن في قول الشاعر:
ولست بالأكثر منهم حصى وإنما العزة للكاثر
وإذا تجرد من أل والإضافة فلا بد من إفراده وتذكيره في جميع
أحواله وأن تتصل به من المجارة ولو تقديرا نحو قوله تعالى"وللآخرة خير وأبقى".
وإذا أضيف إلى نكرة وجب إفراده وتذكيره وامتنع وصله بمن الجارة.
وإذا أضيف إلى معرفة امتنع وصله بمن الجارة وجاز فيه وجهان:
الإفراد والتذكير كالمضاف إلى نكرة ومطابقته لما قبله وقد ورد الاستعمالان في القرآن فمن الأول"ولتجدنهم أحرص الناس على حياة"ولم يقل أحرصي الناس ومن الثاني"وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها".
حكم الدنيا: هذا والقياس أن تأتي الدنيا بالألف واللام لأنها صفة في الأصل على وزن فعلى والمذكر الأدنى له فمن حقها المطابقة كما أتت في الآية التي نحن بصددها على أنهم استعملوها استعمال الأسماء فهم لا يكادون يذكرون معها الموصوف فاستعملوها بغير ألف ولام كسائر الأسماء قال العجاج:
يوم ترى النفوس ما أعدت من نزل إذا الأمور غبت