وبعد كتابتي لما تقدم بمدة ، وقفت على نبئهم في"طبقات الشهداء المسيحيين"وأن عدتهم سبعة عندهم كما ستراه في آخر الآيات فيهم . فسنح لي أن ابن عباس إنما جزم بما جزم به ، مما قوي عنده من إشارة الآية ، كما ذكره أولئك الأكثرون ، ومن تواتر عدتهم من قومهم وممن أثر عنهم . ثم حققه وصدقه عدم النكير فيه . وكذلك جزم بمثله الإمام تقي الدين بن تيمية رحمه الله . حيث قال في قاعدة له في التفسير: اشتملت هذه الآية الكريمة على الأدب في هذا المقام - مقام حكاية الأقوال وتعليم ما ينبغي في مثل هذا . فإنه تعالى أخبر عنهم بثلاثة أقوال ، ضعف القولين الأولين وسكت عن الثالث . فدل على صحته . إذ لو كان باطلا لرده كما ردهما . ثم أرشد إلى أن الاطلاع على عدتهم لا طائل تحته . فيقال في مثل هذا: {قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ} فإنه ما يعلم بذلك إلا قليل من الناس ممن أطلعه الله عليه . فبهذا قال: {فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِراً} أي: لا تجهد نفسك فيما لا طائل تحته ، ولا تسألهم عن ذلك فإنهم لا يعلمون من ذلك إلا رجم الغيب . فهذا أحسن ما يكون في حكاية الخلاف أن تستوعب الأقوال في ذلك المقام وأن ينبه على الصحيح منها ويبطل الباطل . ويذكر فائدة الخلاف وثمرته ، لئلا يقع النزاع والخلاف فيما لا فائدة تحته ، فيشتغل به عن الأهم . فأما من حكى خلافا في مسألة ولم يستوعب أقوال الناس فيها ، فهو ناقص . إذ قد يكون الصواب في الذي تركه . أو يحكي الخلاف ويطلقه ولا ينبه على الصحيح من الأقوال ، فهو ناقص أيضاً . انتهى كلامه رحمه الله ، وهو الفصل في هذا المقام .
الثاني: قال الرازي: ذكروا في فائدة الواو في قوله: {وَثَامِنُهُمْ} وجوها:
الأول: ما ذكروه أنه يدل على أن هذا القول أولى من سائر الأقوال . وقد عرفت ما فيه .