* قوله تبارك وتعالى: وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ في هذه السورة. وفى العنكبوت: يَكْفُرُونَ من غير «هم» ؛ لأن في هذه السورة اتصل بقوله: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ثم عاد إلى الغيبة فقال: أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ. فلم يكن بدّ من تقييده ب «هم» لئلا تلتبس الغيبة بالخطاب والتاء بالياء.
وما في العنكبوت اتصل بآيات استمرت على الغيبة فيها كلها فلم تحتج إلى تقييد بالضمير.
* قوله تعالى: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ: كرر (إن) . وكذلك في الآية الأخرى: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ؛ لأن الكلام لما طال جدا أعاد «إن» واسم «إن» ثم ذكر الخبر. ومثله:
أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ: فأعاد «أن» واسم «أن» لما طال الكلام.
* قوله تعالى: وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ. وفى النمل: وَلا تَكُنْ بإثبات النون: هذه كلمة كثر دورها في الكلام، فحذف النون منها تخفيفا من غير قياس بل تشبها بحروف العلة وذلك يأتى في القرآن في بضعة عشر موضعا سبعة منها (يك) بالياء وثمانية (تك) بالتاء وموضعان (نك) بالنون. وموضع (أك) بالهمزة.
وخصت هذه السورة بالحذف دون النمل موافقة لما قبلها وهو قوله: وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، والثانى: لأن هذه الآية نزلت تسلية للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم حين قتل عمه حمزة - رضي الله عنه - ومثّل به،
فقال عليه السّلام: «لأفعلن به ولأصنعنّ» .
فأنزل الله عز وجل: وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ. وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ [فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ] إلى آخر السورة. فبالغ في الحذف ليكون ذلك مبالغة في التسلى، وجاء ما في النمل على القياس؛ ولأن الحزن هناك دون الحزن هنا، والله أعلم. انتهى انتهى. {أسرار التكرار فِي القرآن صـ}