وإذا كانت هذه مهمتك أيها النبي وهو الإنذار وأن الحساب محقق، فما عليك إلا الجهر بدعوتك، فقد انتهت مرحلة الإسرار في الدعوة، فقال: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ .. أي فاجهر بتبليغ دعوتك للجميع، وواجه بها المشركين، ولا تأبه بهم، فإن الله عاصمك وحافظك منهم، وأعرض عن المشركين، أي بلغ ما أنزل إليك من ربك، ولا تلتفت إلى المشركين الذين يريدون أن يصدوك عن آيات الله.
إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ هذا تأمين رباني وعصمة وصون، أي إنا كفيناك شر المستهزئين بك، المجاهدين في عداوتك، الساخرين منك ومن القرآن، وهم جماعة ذو وقوة وشوكة من المشركين، وهم خمسة نفر: الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والحارث بن قيس، والأسود بن المطلب، والأسود بن عبد يغوث.
قال جبريل لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أمرت أن أكفيكهم، فأومأ إلى عقب الوليد، فتعلق بثوبه سهم، فأبى تعظما نزعه، فأصاب عرقا في عقبه فمات. وأومأ إلى أخمص العاص بن وائل، فمات بشوكة دخلت فيه، وأشار إلى عيني الأسود بن المطلب فعمي، وأشار إلى أنف عدي بن قيس فامتخط قيحا فمات، وأشار إلى الأسود بن عبد يغوث، وهو قاعد في أصل شجرة، فأصيب بداء، فجعل ينطح رأسه بالشجرة، ويضرب وجهه بالشوك حتى مات.
وكان هؤلاء المستهزئون مشركين، لذا وصفهم الله بقوله: الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ أي الذين يتخذون إلها آخر مع الله، فيشركون به من لا يضر ولا ينفع.
فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ عاقبة أمرهم ومآل شركهم ونتيجة كفرهم. وهذا تهديد ووعيد لهم بسوء المصير، لعلهم يرتدعون ويؤمنون.
ثم سلّى الله نبيه عما يصيبه من أذى المشركين فقال: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ .. أي وإنا لنعلم يا محمد أنك تتأذى من سخرية المشركين وشركهم، ويحصل لك ضيق صدر وانقباض، فلا يثنينك ذلك عن إبلاغ رسالة الله، وتوكل عليه، فإنه كافيك وناصرك عليهم، والجأ إليه لإزالة الانقباض والجزع. فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ.