في بدايتها: ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا ... وفي نهايتها فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ. وفي بدايتها إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ وفي نهايتها وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ وكما أن هناك تلاحما بين البداية والنهاية فهناك تلاحم ما بين النهاية والواسط:
في الواسط وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وفي النهاية وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ فالسورة على غاية من الانسجام في سياقها الخاص.
3 -والسورة تفصّل في مقدمة سورة البقرة، فهي محورها: تفصّل في الفلاح
الذي سيناله أهل التقوى، وتفصّل في أن الله هو منزل القرآن، وتفصّل في ضرورة اتباع القرآن، وتفصّل في أحوال الكافرين، وفيما يستحقون من عذاب في الدنيا والآخرة، وتفصّل فيما ينبغي أن يكون عليه حال النذير من إعراض، أو تبليغ، أو تسبيح، أو سجود، أو عبادة.
نقول من الظلال:
1 - [الربط بين الآيتين (85) و (87) من المجموعة الأخيرة في السورة]
(قال صاحب الظلال رابطا بين قوله تعالى وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ ... وبين الآية التي جاءت بعدها وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ:
والمهم أن وصل هذا النص بآيات خلق السماوات والأرض وما بينهما بالحق والساعة الآتية لا ريب فيها، يشي بالاتصال بين هذا القرآن، والحق الأصيل الذي يقوم به الوجود وتقوم عليه الساعة. فهذا القرآن من عناصر ذلك الحق، وهو يكشف سنن الخالق، ويوجه القلوب لإدراكها، ويكشف أسباب الهدى والضلال، ومصير الحق والباطل، والخير والشر، والصلاح والطلاح. فهو من ذلك الحق ومن وسائل كشفه وتبيانه. وهو أصيل أصالة ذلك الحق الذي خلقت به السماوات والأرض، ثابت ثبوت نواميس الوجود، مرتبط بتلك النواميس. وليس أمرا عارضا ولا ذاهبا. إنما يبقى مؤثرا في توجيه الحياة وتصريفها وتحويلها، مهما يكذب المكذبون، ويستهزئ المستهزءون.
ويحاول المبطلون الذين يعتمدون على الباطل وهو عنصر طارئ زائل في هذا الوجود.