ويحتمل أيضًا وجهًا آخر: وهو أنه كان يحزن عليهم، ويضيق صدره؛ لما مكروا به وكادوه؛ كقوله: (وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ) ، فإني أكافئهم. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ(89)
يحتمل: أنا النذير على معاصيه، المبين على طاعاته، أو النذير على العصاة من عذاب اللَّه، المبين لأموره ونواهيه. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ(90) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (91)
قال الحسن: الكتب كلها قرآن؛ يعني كتب اللَّه اقتسموها وجعلوها عضين؛ أي: فرقوها بالتحريف والتبديل؛ فما وافقهم أخذوه، ومالم يوافقهم غيَّروه وبدلوه؛ كقوله: (يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا) ونحوه، فذلك اقتسامهم وتعضيتهم على قوله، وكقوله: (قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا) ، وقوله: (فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا) ، ونحوه.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: اقتسامهم: وهو أن نفرًا من قريش كانوا اقتسموا عقار مكة؛ ليصدّوا الناس عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ؛ فيقول طائفة منهم - إذا سئلوا عنه -: هو كاهن، وطائفة أخرى: هو شاعر، ساحر، مجنون، ونحوه. وعضين: قولهم: هو: سحر، شعر، كهانة، أساطير الأولين، افترى على اللَّه كذبًا، وأمثال ما قالوا. فذلك اقتسامهم وعضتهم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هو على التقديم: أي: آتيناك المثاني والقرآن العظيم؛ أنزلناه عليك كما أنزلنا التوراة والإنجيل على اليهود والنصارى؛ فهم المقتسمون كتاب اللَّه؛ فآمنوا ببعض وكفروا ببعض.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: يقال: عضيت الجزور: أي: قسمتها عضوًا عضوًا.
وقال غيره: هو من العضة: وهو السحر؛ بلسان قريش؛ يقال للساحر عاض.