فذهب الرسول إليهم فدعوا حارثا فسألوه. فقال: قوله الشجر قد أورق، أي تسلّح القوم، واشتكت النساء: أي اتخذت القرب للماء. وقوله: ما هذا الوقت؟ فقال الليل فإنه يقول أتاكم جيش كالليل وقوله عروا جملي الأصهب، أي ارتحلوا عن الصماء واركبوا ناقتي الحمراء أي انزلوا الدهناء. فرحلوا من ساعتهم فصبّحهم القوم فلم يجدوا أحدا وكان العطاردي، لما رجع إلى قومه رمى إليهم بصرّتين في إحداهما شوك وفي الأخرى تراب، فقال قيس بن زهير هذا رجل مأخوذ عليه بالحلف وهو ينذركم عدوا وشوكا. قال الله تعالى: (وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ) .
وأسرت طيء غلاما من العرب فقدم أبوه ليفديه فاشتطوا عليه. فقال أبوه عنده: لا والذي جعل الفرقدين يصبحان ويمسيان على جبلي طيئ، ما عندي غير ما عرفتكم، ثم انصرف. وقال: لقد أعطيته كلاما إن كان فيه خير فهمه، كأنه قال الزم الفرقدين على جبلي طيئ ففهم الابن كلامه. فطرد إبلا من إبلهم ليلته، ونجا بها.
وكان داريوس ملك فارس، لما سمع بخروج ذي القرنين بعث إليه بدرّة وكرة ياقوتة وجراب سمسم وتابوت مملوء من الذهب. وكتب إليه: إنما بعثت بهذا لا جرب عقلك، فقال له الإسكندر: قد عرفت لماذا بعثت. أما الدرّة فتزعم أنك سوط تشير علي.
وقلت يجتمع لي ملكك اجتماع هذه الكرة في يدي. وذكرت أن لك في أمري ضياء كضياء
الياقوتة وبعثت بالتابوت من الذهب تقول: تكون لي خزائنك والسمسم تعلّمني أن عدة جنودك كثيرة ككثرته.
ثم إن ذا القرنين أخذ كفا من السمسم بحضرة الرسول فاستفه ومضغه، وقال: قل له جنودك كثيرة، ولكنّي أطحنهم طحنا كهذا السمسم، وبعث معه إليه بجراب من خردل فأخبر الرسول داريوس بما عاين من ذي القرنين، فأعجبه كيده وغضب فأخذ كفّا من الخردل فطرحه في فمه كفعله بالسمسم فلما وجد مرارته وحرافته لفظه، وقال: أشهد أن جنوده في حرافة الخردل، ثم كانت الغلبة لذي القرنين.
ولما صالح ملك الهند اشترط عليهم أن يدفعوا إليه حكيما كان فيهم ففعلوا.
فاستصحبه ولم يفاتحه.
ثم بعث إليه يوما بستوقة مملوءة سمنا، فأخذها الحكيم وغرز فيها إبرا وردها إليه.