أي الأمر الثابت الذي لَا ريب فيه، (وَإِنَّا لَصَادِقونَ) في إخبارنا إياك، وأكدوا صدقهم بـ (إن) ، و (اللام) ، والجملة الاسمية، وإن هذا تأكيد له بأن يذهب عنه الخوف، وإنهم ما جاءوا لإرهابه، ولكن جاءوا لإنزال ما وعد اللَّه تعالى له بنصرته.
ولذا أمروْ أمر إحاطة ومودة وإنفاذ
(فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ(65) بأوامر أربعة لنجاتهم:
الأمر الأول: أمرهم بالخروج في جنح الليل، فالإسراء: السير ليلا، و (قطع) أي بعد قطع الظلام من الليل، أي في شدة إظلامه.
والأمر الثاني: أن يتبعوا أدبارهم بأن يخرجوا من طريق لَا يواجهونهم فيه وإقبالهم، بل يسيرون في طريق يستدبرونهم فلا يلقونهم.
والأمر الثالث: لَا ينظر إلى ما وراءه، فإنه يكون الهول والعذاب النازل بهم حيث تقشعر من هوله الأبدان.
والأمر الرابع: أن يمضوا حيث يؤمرون بوضع النجاة، ويقيمون حيث يكونون بعيدين عما أصاب أولئك الذين طغوا في أنفسهم، وأفسدوا الإنسانية، والفطرة السليمة.
هذا ما أمر به أولئك المرسلون من ملائكة اللَّه الأطهار، لوط ومن معه من الأبرياء، أما ما قضى بالنسبة لهؤلاء الأنجاس الأشرار، فقد أخبروا به فقالوا:
(وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ(66)
أي بلغناه وأفضينا إليه بما قضى الله تعالى وقدره، وذلك الأمر العظيم الشأن الخطير في ذاته، وهو أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين.
أي مستأصلون مقطوعون، لَا تبقى منهم باقية في صباح تلك الليلة التي نجوت فيها، والتعبير بـ (دَابِرَ هَؤُلَاءِ) فيه إشارة إلى استئصالهم؛ لأن القطع إذا ابتدأ من الإدبار كان دليلا على استئصالهم جميعهم، وفوق ذلك فيه تصوير لحالهم عند نزول العذاب بهم، والجيش المغلوب الهالك يضرب في أدبارهم فيكون الهلاك لَا محالة، أما الذي يضرب في وجوههم فإنه يقاتل، فيقتل ويقتل وكذلك نزل غضب اللَّه تعالى بهم، كما نزل بغيرهم من الجيوش المدحورة.