وإن اللَّه تعالى يعلمنا كيف نربي النفوس ونهذبها، فهي تربي بالرفق من غير شدة، وبالإرهاب من غير تربية لليأس، وبالعقاب حيث يجب، فلا تربي بالعطف الدائم ولا بالعذاب الذي لَا رجاء فيه، وكذلك علَّمنا ربُّنا، وكذلك كانت أخلاق نبينا، وينبغي أن تكون أخلاق مصلحينا، وأولي الأمر منا، وليس الأمر من يفرضه أعداؤنا، أو من يفرضون أنفسهم علينا.
من قصة إبراهيم وضيفه ولوط وقومه
قال الله تعالى:
(وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ(51) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (52)
في الآيات السابقة طلبوا أن ينزل معه ملائكة ليؤمنوا به، وقد رد اللَّه تعالى قولهم بأنه: (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ) ، وفي هذه الآيات التي تلونا نزل ملائكة اللَّه تعالى إلى الأرض فكانوا في مظهرهم بشرا ورجالا ولكن الروحانية تجعل من يخاطبهم - ولو كان نبيا من أولي العزم من الرسل - يوجل منهم؛ لأن جنسهم غير جنسه.
(وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ) ، وضيف اسم جمع، فالمراد العدد الذي أنزل على إبراهيم، وكان كريما مضيافا،
(إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا ...(52)
أي نسلم سلاما، وقوله تعالى: (دَخَلُوا عَلَيْهِ) تدل على معنى المفاجأة إذ لم يكن يترقبهم، وإنهم إذ فاجئوه طمانوه، فرددوا السلام، وجاءت بالنصب مفعول مطلق لفعل محذوف، أي نُسَلِّم سلاما، أبدى إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - بالمفاجأة وجله، ولإحساسه بأنهم ليسوا مثله فقال: (إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ) ، أي خائفون لأنهم دخلوا مفاجئين، والوجل: اضطراب في النفس يحدث خوفا.
قالوا مطمئنين له بعد فزع المفاجأة:
(لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ(53)