قول الله تعالى:"قَالَ هَؤُلاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ" [الحجر: 71] لَمَّا رأى إصرارهم وعنادهم، وغلبة الشَّهوة القذرة على رُؤوسِهم، فأعمتهم وأصمَّتْهم عن أن يسمعوا لقوله، أو يتفكَّروا فيما يدفعهم عنه، وما يُريد من إبعادهم عن الفاحشة النَّكْراء وإخزائه وفضيحته في ضَيْفِه، حاول أن يُلَطِّف لهيب هذه الشهوة المستَعِرة، وأن يخفِّف من ثورتها؛ لعلَّهم في وَقْت هذا التَّلطيف والهدوء يَثُوب إليهم بعْضُ رشدهم، فيمكِّنونه من التَّفاهم معهم؛ لِيُوجِّههم إلى الصِّراط السَّوي، ويرجع بهم إلى طريق الحقِّ والفطرة، فقال لهم:"هَؤُلاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ"؛ يعنِي: إن كنتم ولا بدَّ مُنْدفعين في تيَّار الشَّهوة، غير راجعين عن قضاء الوطر، فهؤلاء بناتي، هُنَّ أطهر وأنظف، وأبعد عن قذارة أدبار المردان، فإنَّها لم تُخْلَق إلاَّ لِخُروج الفضلات القذرة، أمَّا فروج النساء وما يُحيطُها فإنَّها خُلِقت مهيَّأة، بِمَا جعل فيها العليمُ الحكيم الرَّحيم مِن مغريات ومُحَسِّنات لقضاء الوطر، أراد أن يَصْرفهم عن هذه الشَّهوة العارمة بتذكيرهم بِمَوضعها الجميل، وبما يُحيط به في المرأة من جَمال وحُسْن، وفي وقْت هذا التذكُّر تلتفت نفوسهم عمَّا أثار شهوتَها وأجَّج نارها، فيُناقشهم حينئذٍ في كيفية قضاء الشَّهوة، ويعمل جاهدًا أن يسلُّ نفوسهم شيئًا فشيئًا من وسط هذه الغمرة؛ لِيَرجع بها إلى طبيعة الهدوء، فيُفْهِمهم أن أطيب شيءٍ بِقَضاء الوطرِ وأمتعَه: هو الوضع الذي هيَّأ الحكيمُ الخبير لذلك، على الوجه الذي أمر به وارتضاه لحِفْظ كرامة الإنسانيَّة، ووقايتها من كلِّ ما يضرُّها ويؤذيها، ويعطيها ما يزيد نعيمها وسرورها ومُتْعَتَها، وهو الزواج وما يُحيط به من جوِّ السَّعادة والسكينة، والمودَّة والرحمة، وما يُثْمِره من الثَّمرات الصالحة في النَّفْس والذُّرِّية، ولكنْ أنَّى لهم أن يُفِيقوا أو ينثنوا عن غايتهم القَذِرة وقد مرَدُوا عليها، وتغلْغَلَت أدواؤها الفتَّاكة في نفوسهم، وتخَلَّل وباؤُها القتَّالُ في كل ذرَّات أجسامهم، وعقولِهم وقلوبهم؟! إنَّ ذلك مِمَّن هذه حاله، وهذه مصيبتُه وأدْواؤُه