فهو - عليه السَّلام - مرَّةً يرجو أن يكون عندهم بقيَّةٌ من إنسانيَّة، فيحاول إيقاظها بقوله:"هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ * وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ" [الحجر: 68 - 69] ، فحين لا يَجِد لتلك البقيَّة أثرًا عندهم، بل يجد غمرة الشَّهوة القذرة قد حطَّمَت فيهم كلَّ معاني الإنسانية والرشد، يقول:"لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ" [هود: 80] .
فيُجِيبونه في مطمورة هذه الغمرة بمنتهى الوَقاحة والبذاءة:"أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ" [الحجر: 70] ؛ يَعْنُون: ألَم نُحَذِّرك مرارًا أن لا تُضَيف أحدًا كائنًا من كان من العالَمين، وأن لا تفتح بابك لأيِّ إنسان، وأن لا تُؤْوي أيَّ لاجئٍ، وألاَّ تَحْمي منَّا أيَّ صيْدٍ من المردان يفرُّ إلى بيتك، ويحتمي بك من عُدْواننا على عِرْضِه بفاحشتِنا النَّكْراء؟ فما بالُك اليوم تَحْمي هؤلاء المردان، وتَمْنعهم منَّا بكلِّ قوَّتِك، وتدفعنا عنهم بِمُنتهى وسعك، وقد سبق منَّا لك التَّحذير والإنذار، والوعيد والتهديد؟ إذًا فلتَحُلَّ بك نقمَتُنا، ولنَصُبَّ عليكَ جامَ غضَبِنا، ولْتَذُق ألوان الأذى والإهانة، حتَّى ينفتح لنا الطَّريق إلى بلوغ غايتنا، وإدراك أمنيتنا الَّتِي جئْنا نُهْرَع من أجلها فرحين مستبشرين، فما كان يخطر لنا على بالٍ أن يسعى إلينا هذا الجمال الأخَّاذُ في أولئك الفتيان، الذي تُحاول أن تَرُدَّنا عنهم على أعقابنا خائبين، وتضيع علينا هذه الفرصة التي لن تُعَوَّض، فلا بدَّ من قضاء وطَرِنا، وإلا قتَلَتْنا الحسرة، وأهلَكَتْنا الشَّهوة المغتلمة، وأحرقتنا نارُ الغرام المشتعلة، فخلِّ سبيلنا، وتنَحَّ عن طريقنا، وإلاَّ قتَلْناك أنت.