وقول لوطٍ هذا، وأمْرُه إيَّاهم بتقوى الله: يدلُّ على أنَّهم كانوا - كإِخْوانِهم في كلِّ زَمنٍ من الكفَرة المُشْرِكين الفجرة - يَزْعمون أنَّهم يعرفون الله الخالق الرَّازق، الْمُحيي المُمِيت، ويَزْعمون أنَّهم يَدِينون له بِما وَرِثوا من تقاليدَ ومظاهِرَ، ورسومٍ وطقوس، وأعياد واحتفالات عن الآباء والشُّيوخ والرُّؤساء، وأنَّ فسْقَهم الشَّنيع، واستهتارهم فيه، وإعلانَهم بالفُجور القذر لا يتنافى مع ما زعموه من دينٍ موروث؛ لأنَّ الدِّين في زَعْمِهم الخاسر لا يَعْدو أن يكون تقاليدَ ومَظاهر، ليس بلازم أبدًا أن تتَّصِل بالقلوب، ولا بالأخلاق ولا بالأعمال، فإنَّه شيءٌ آخر، وهذه عقيدةُ كلِّ زائغ ضالٍّ، وكلِّ مُشْرِك مقلِّد أعمى، في كلِّ زمان، أعمَتْه هذه التقاليدُ والرُّسوم، والمظاهر الفاجرةُ عن حقيقة الدِّين الذي يوحيه الله إلى رسُلِه لِهِداية الإنسانيَّة إلى سبيل الحياة الطيِّبة، وسعادتها في الدُّنيا والآخرة، وإنَّه لن يكون دينٌ صحيح مُنجٍ في الآخرة ما لَم يُصَحّح العقيدة بإخلاص العبادة لله، وما لَم يتناول الأخلاق فيُقَوِّم عِوَجَها، ويعطي الله به المجتمع العزَّة والأمن، والسَّلامة والعافية من كلِّ ما يَشْكو الناس من عِلَلٍ وأدواء تُزَلزِلُ حياة المجتمع، وتطرد الرَّاحة عنه، ويَجْعل من أفراده إخوانًا متعاوِنين على البِرِّ والتَّقوى.
إنَّ لوطًا - عليه السَّلام - يقول لهم ذلك، ويُحَذِّرهم به، وهو يُدافعهم عن ولوج بيته للوصول إلى ضيفه المُكْرَمين؛ إذْ كانوا يُجاهدون بكلِّ قُواهم للدُّخول إلى أولئك الذين توَهَّموهم مردانًا ليقضوا منهم وطرَهم البَشِع، ويُشْبِعوا شهواتهم القذرة؛ ولذلك يقول لوط:"لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ" [هود: 80] .