و"الْخِزْي"شدَّة انكسار النَّفس وتصاغُرِها؛ لِمَا يَلْحَقها من إساءة الغير لها؛ بإهانَتِها وتَحْقيرها بنسبة الأمور الحقيرة السَّافلة الْمَرذولة إليها، وفي دُعاء النبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-: (( اللَّهم احْشُرْنا غير خزايا ولا نَدامى ) ) [1] .
ويكون الخِزْي من النَّفس إذا حَمَلت صاحبها بالجهل والسَّفه والرُّعونة على ما يستوجب الحقارة والصَّغار، والمهانة وتنكيس الرَّأس.
يقول لوطٌ - عليه السَّلام - لأولئك الذين غمرَتْهم سكرة الشَّهوة القذرة بِطُوفانها: أفيقوا من غَفْلتِكم، وارْجِعوا إلى سنن الله فيكم وفِطْرته التي فطَرَكم عليها، إلى الصَّواب والرشد؛ لِيُنجيكم الله من هذا الهلاك الماحق الذي أحاط بِرُجولتكم، ثم سَيُحيق العذاب المستأصل بقريتكم، واعرفوا مكانَتِي التي وضعَنِي الله فيها - وهي أَسْمى مكانة وأرفعها - إذْ بعثَنِي رسولاً إليكم بالْهُدى والحقِّ الذي يُعيد إليكم كرامةَ الإنسانيَّة وعزَّتَها، وفلاحَها ورشدها، وفي الآية من سورة هود:"أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ" [هود: 78] ؟ كلاَّ، والله ليس فيهم مِنْ رجلٍ رشيد، وأنَّى يكون الرشد والعقل فيمن غرَّتْهم هذه الشَّهوة القذرة، فانتكَسوا بِها على رؤوسهم، وانْحَطُّوا إلى أسفل الدَّرَكات التي لم يَنْحطَّ إليها بَهيمٌ مِن أسفل البهائم؟
[1] صحيح: أخرجه البخاريُّ في"الأدب المفرد"برقم [699] ، وصحَّحه الألبانِيُّ، وأحمد برقم [15513] من حديث رفاعة الزرقيِّ قال: لَمَّا كان يوم أحُدٍ وانكفَأ المشركون، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( استَوُوا حتَّى أُثْنِيَ على ربِّي ) )، فصاروا خلفه صفوفًا، فقال: (( اللهم لك الحمد كلُّه، اللهم لا قابِضَ لما بسطْتَ، ولا باسط لما قبضْتَ، ولا هادي لما أضللت، ولا مضلَّ لِمَن هديت، ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، ولا مقرب لما باعدت، ولا مباعد لما قرَّبْت، اللهم ابْسُط علينا من بركاتك ورحمتِك، وفضلك ورزقِك، اللهم إنِّي أسألك النَّعيم المقيم الذي لا يَحُول ولا يزول، اللهم إنِّي أسألك النَّعيم يوم العَيْلَة، والأَمْن يوم الخوف، اللهم إنِّي عائذٌ بك من شرِّ ما أعطيْتَنا، وشرِّ ما منعت، اللهم حَبِّب إلينا الإيمان، وزيِّنْه في قلوبنا، وكرِّهْ إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الرَّاشدين، اللهم توفَّنا مسلمين، وأحْيِنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مفتونين، اللهم قاتِلِ الكفرة الذين يكذِّبون رسُلَك، ويصدُّون عن سبيلك، واجعل عليهم رجْزَك وعذابَك، اللَّهم قاتِل الكفرة الذين أوتوا الكتاب، إِلَهَ الحقِّ ) )، وقال فيه شعيبٌ الأرناؤوط: رجاله ثِقَات، عبيدالله بن عبدالله الزُّرَقي إنَّما هو عبيد بن رِفَاعة، وَهِمَ في اسْمِه هنا مروانُ بن معاوية الفزاريُّ، وقد جاء عنه على الجادَّة من طرُقٍ أخرى، وُلِد في حياة النبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وروى عنه جَمْعٌ، ووثَّقه العجليُّ والذَّهَبي، وذكره ابن حبَّان في"الثِّقات".
وأخرجه الحاكم (1/ 506 - 507) ، وقال: صحيح على شرطهما، وتعقَّبَه الذَّهَبِيُّ بقوله: الشَّيخان لم يخرجا لعبيد، وهو ثقة، والحديث مع نظافة إسناده مُنْكَر، أخاف أن يكون موضوعًا.
وقد اختلف فيه على عبدالواحد بن أيمن، فأخرجه النَّسائي في"الكبرى"، 10446 وهو في"عمل اليوم والليلة"610 من طريق أبي نُعَيم عن عبدالواحد بن أيمن عن عبيد بن رفاعة الزرقي مرسلاً، وقد أشار الإمامُ أحمد إلى إرساله في الإسناد، فقال: وقال غيرُ الفزاريِّ: عبيد بن رفاعة الزرقي، وقد أورده الذهبيُّ مطوَّلاً في"السِّيرة النبوية"، (1/ 319 - 420) ، وقال: هذا حديث غريب منكر.