فلا تفضحوني، وتكشفوا عن مهانتي عليكم، واحتقارِكم لي، وبُغْضِكم لِمَقامي بينكم، ومَقْتِكم إيَّاي لدعوتِي إيَّاكم إلى الْهُدى والرَّشاد، والفطرة السَّليمة، ونَهْيِي إيَّاكم عن أَفْحَش الفاحشة، وأنكر المنكر: الكفر بالله، والتَّجاهر بإِتْيان الفاحشة التي لم يَسْبِقْكم إليها أحدٌ من العالمين.
"وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ" [الحجر: 69] تاء التَّقوى مقلوب عن الواو مِن"وَقَى"، فأصله مِن الوقاية، وهي اتِّخاذ أسباب البُعْد والحفظ مِمَّا يُؤْذي ويضرُّ ويهلك، والله تعالى قد أعطى كلَّ إنسان من سنن الفطرة في نفسه وفيما سخَّر له في السموات والأرض، ومن النِّعم والآيات ما يكون به قويًّا على دفع ما يؤذيه، وينكد عيشه، والبعد عن كلِّ ما يُفْسد عليه حياته، ويهلكه في الدُّنيا والآخرة، ولكن أكثر الناس يظلمون أنفسهم بالتعامي والغفلة عن ذلك، فيُسيئون استعمال هذه الأسباب، ويَضَعونها في غير موضعها فيكونون من الهالكين، والقليلُ من عباد الله هم الذين يَحْتَفِظون بعقولِهم وفِطَرِهم سليمة، فيَمْشون في سبيل الحياة على هُدى من ربِّهم، وبصيرة من أمرهم، ويُحْسِنون استعمال هذه الأسباب والنِّعَم بوضْع كلِّ واحدة منها في موضعها، فيكونون بها من الرَّاشدين، ويزيدهم الله هدًى على هُداهم، وقوَّة على قوَّتِهم، أولئك هم المُتَّقون المفلحون، ولقد عَمِي قومُ لوط أشدَّ العمى عن سنن الله وآياته، فضَلُّوا أبعد ضلال عن الفطرة السليمة، وارتكسوا في أقذر حمأة، فذهبوا يطلبون اللذَّة في أبعد مكان عنها، ويسارعون إلى قتل الذُّكورة التي هدى بها العليمُ الحكيمُ الذُّكورَ إلى تَحمُّل ما لا يُمْكن تحمُّلُه من أعباء الحياة إلاَّ بها، ومِن ثَمَّ لَم ترتكس البهائم العجماءُ في هذه الهاوية السَّحيقة التي هوى إليها قوم لوط وورثتهم بإتيان الذُّكْران من الحيوان، فلا يُعرَف هذا المرضُ الوبيل في أيِّ نوع من أنواع الحيوان، ولا في القردة والخنازير.