وكل ما يتطلب إرهاب الخَصْم يبدأ بصيحة تُفقِده توازنه الفكري ؛ ولذلك قال الحق سبحانه في موقع آخر: {إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُواْ كَهَشِيمِ المحتظر} [القمر: 31] .
ومرّة يُسمّيها الحق سبحانه بالطاغية ؛ فيقول: {فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بالطاغية} [الحاقة: 5] .
ويقول سبحانه من بعد ذلك: {فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا ...} .
وما دام عاليها قد صار أسفلها ، فهذا لَوْنٌ من الانتقام المُنظّم المُوجّه ؛ ولو لم يكن انتقاماً مُنظّماً ؛ لانقلب بعضُ ما في تلك المدينة على الجانب الأيمن أو الأيسر .
ولكن شاء الحق سبحانه أن يأتي لنا بصورة ما حدث ، لِيدلَنا على قدرته على أنْ يفعلَ ما شاء كما يشاء . وأمطرهم الحق سبحانه بحجارة من سجيل ؛ كتلك التي أمطر بها مَنْ هاجموا الكعبة في عام ميلاد رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وهي حجارة صُنِعَتْ من طين لا يعلم كُنْهَه إلا الله سبحانه ، والطين إذا تحجَّر سُمّي"سجيلاً".
والحق سبحانه هو القائل عن نفس هذا الموقف في سورة الذاريات: {لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ} [الذاريات: 33] .
وقد أرسل الحق سبحانه تلك الحجارة عليهم لِيُبيدهم ، فلا يُبقِي منهم أحداً .
ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ ...} .
وهكذا كان العذاب الذي أنزله الحق سبحانه بقوم لوط آية واضحة للمُتوسِّمين . والمُتوسِّم هو الذي يُدرك حقائق المَسْتور بمكْشُوف المظهور . ويُقال"توسَّمْتُ في فلان كذا"أي: أخذ من الظاهر حقيقة الباطن .
ولذلك يقول الحق سبحانه: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ السجود} [الفتح: 29] .
أي: ساعةَ تراهم ترى أن الملامح تُوَضِّح ما في الأعماق من إيمان .
ويقول سبحانه أيضاً: {تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ الناس إِلْحَافاً} [البقرة: 273] .