وهكذا نعرف أن المُتوسِّم هو صاحب الفَراسة التي تكشف مكنون الأعماق . وها هو صلى الله عليه وسلم يقول:"اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله".
وتحمل الذاكرة العربية حكاية الأعرابي الذي فقد جمله ، فذهب إلى قيم الناحية أي: عمدة المكان وقال له:"ضاع جملي ، وأخشى أن يكون قد سرقه أحد". وبينما هو يُحدِّث القيِّم جاء واحد ، وقال له: أجملك أعور؟ أجاب صاحب الجمل: نعم ، وقال له: أجملك أبتَر؟ أي: لا ذَيْل له ، أجاب صاحب الجمل: نعم . فسأل الرجل سؤالا ثالثاً: أجملك أشول؟ أي: يعرج قليلاً عندما يسير ؛ فأجاب الرجل: نعم ، والله هو جَمَلِي .
وأراد قيِّم الحي أن يعلم كيف عرف الرجل الذي حضر كل هذه العلامات التي في الجمل ، فسأله: وما أدراك بكل تلك العلامات؟
قال الرجل: لقد رأيتُه في الطريق ، وعرفتُ أنه أعورُ ، ذلك أنه كان يأكل العُشبْ الجاف من جهة ، ولا يلتفت إلى العُشْب الأخضر في الجهة الأخرى ، ولو كان يرى بعينيه الاثنتين لرأى العُشْب الأخضر .
وعرفت أنه أبتر مقطوع الذيل نتيجة أن بَعْره لم يتبعثر مثل غيره من الجمال التي لها ذَيْل غير مقطوع .
وعرفت أنه أشول ؛ لأن أثر ساقه اليمنى أكثر عُمْقاً في الأرض من أثر ساقه اليسرى . وهكذا شرحت الذاكرة العربية معنى كلمة"المتوسم".
ثم يُبيِّن الحق سبحانه مكان مدينة قوم لوط ، فيقول من بعد ذلك: {وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ ...} .
أي: أنها على طريق ثابت تمرُّون عليه إنْ ذهبتُم ناحية هذا المكان ، وفي آية أخرى يقول سبحانه: {وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ} [الصافات: 137] .
فهذه المدينة إذنْ في طريق ثابت ؛ لن تُضيّعه عوامل التَّعْرية أو الأغيار ، ولن تضيعه تلك العوامل إلا إذا شاء الحق سبحانه له أن يكون مُحْكَم التكوين ومُحكمَ التثبيت . وهو ما يُسمَّى"سدوم".
ومن بعد ذلك يقول الحق سبحانه: