وعلى هذا: فالمراد بالحياة الدنيا مدة الحياة قبل الموت، وبالآخرة ما بعد الموت من القبر ويوم القيامة والعرض للحساب. وبعد أن وصف الكلمة الخبيثة في الآية المتقدمة بين حال أصحابها بقوله: {وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ} ؛ أي: يضلهم عن حجتهم التي هي القول الثابت، فلا يقدرون على التكلم بها في قبورهم ولا عند الحساب، كما أضلهم عن اتباع الحق في الدنيا. والمراد بالظالمين هنا الكفرة؛ لأنهم ظلموا أنفسهم بتبديلهم فطرة الله التي فطر الناس عليها، وعدم اهتدائهم إلى القول الثابت. وقيل: كل من ظلم نفسه ولو بمجرد الإعراض عن البينات الواضحة، فإنه لا يثبت في مواقف الفتن، ولا يهتدي إلى الحق. وقيل معنى: {وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ} ؛ أي: يخلق الله في الكفرة والمشركين الضلال، فلا يهديهم إلى الجواب بالصواب، كما ضلوا في الدنيا، ثم ذكر سبحانه أنه يفعل ما يشاء من التثبيت والخذلان، لا راد لحكمه ولا يسأل عما يفعل، فقال: {وَيَفْعَلُ اللَّهُ} سبحانه وتعالى في عباده {مَا يَشَاءُ} ويريد من تثبيت وإضلال؛ أي: خلق ثبات في بعضٍ، وخلق ضلالٍ في آخرين من غير اعتراض عليه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس - رضي الله عنهما: أن الكافر إذا حضره الموت تنزل عليه الملائكة عليهم السلام يضربون وجهه ودبره، فإذا دخل قبره أقعد، فقيل له: من ربك؟ لم يرجع إليهم شيئًا، وأنساه الله تعالى ذكر ذلك، وإذا قيل له: من الرسول الذي بعث إليك؟ لم يهتد له، ولم يرجع إليهم شيئًا، فذلك قوله تعالى: {وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ} .
{وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} ؛ أي: وبيده تعالى الهداية والإضلال بحسب ما تقتضيه سننه العامة التي سنها في عباده بحسب استعداد النفوس وقبولها لكل منهما، فلا تنكروا قدرته على اهتداء من كان ضالًا وإضلال من كان منكم مهتديًا، فإن بيده تعالى تصريف خلقه وتدبيرهم وتقليب قلوبهم، يفعل فيهم ما يشاء من إرشاد وإضلال، لا يسئل عما يفعل وهم يسألون، فسبحانه من حكيم عليم. انتهى انتهى {حدائق الروح والريحان. 14/ 369 - 382} ...