الأمر الثاني الذي يكشف عن عظمة الكتاب: وهو شرف ذاتي فوق شرفه الإضافي بالنسبة إلى الله تعالى، وهو أنه يخرج الناس - إذا أدركوه - من ظلمات الضلال إلى نور الهداية وذلك بتبلجغ محمد - صلى الله عليه وسلم - له، وهذا هو قوله: (لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِم) فهذا النص السامي يدل على أن القرآن هادٍ ومرشد يخرج به النبي - صلى الله عليه وسلم - الناس من الضلال إلى الهدى بإذن اللَّه، ففي ذلك ثلاثة معان: أولها: أن الضلال كالظلمة، وثانيها: أن الهداية كالنور، وثالثها: أن الأمور كلها بتوفيق من اللَّه، فمن سلك سبيل الهداية وصل إلى الغاية، ومن لعملك طريق الضلال وصل إلى نهاية الضلال البعيد.
وعلى ذلك ففي التعبير بالظلمات والنور استعارة، تشبيه الضلال بالظلمة؛ لأن السائر فيها كالسائر في ظلام لَا يعرف طريقه فيكون في حيرة دائمة لَا ينتهي فيها إلى حق واضح ولا إلى طريق لاجب، وشبهت الهداية بالنور، لأن من هداه اللَّه تعالى يكون في نور يعرف به طريقه الهادي المرشد إلى أقوم طريق وأهدى سبيل.
وقد عرف اللَّه سبحانه وتعالى بالبيان إلى أن النور صراط اللَّه العزيز الحميد.
الصراط: الطريق المستقيم، وهو أقرب ظريق للوصول إلى الحق، وهو في هذا الوصف العظيم مضاف إلى اللَّه تعالى فيزداد شرقا وتكريما، وهو صراط العزيز الذي لَا يقهر، وهو فوق كل شيء والغالب على كل أمر وحده، ومن سلك طريق الحميد، فإن العاقبة فيه محمودة، فهو محمود في ذاته ومحمود في غايته ونهايته.
ومن سلك غيره ذل، ولا يحمد العاقبة، والعاقبة هي السوءى.
وقد ذكر سبحانه القلوب المظلمة، فقال عز من قائل:
(اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ(2)