ومن ثم جعل الله عقوبة هذه الجرائم الثلاث هي أقسى العقوبات؛ لأنه سبحانه يريد حماية خلقه من عوامل الدمار، ولذا وصف الله عباده المؤمنين بالبراءة منها كما قال سبحانه: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) } [الفرقان: 68] .
وقد ذكر الله سبحانه سنته في عقوبة الذين يتكبرون في الأرض في الحق بقوله: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (146) } ... [الأعراف: 146] .
عاقبهم سبحانه بصرفهم عن آياته، فلا ينتفعون بها ولا يستجيبون لها، آياته في كتابه المنظور وآياته في كتبه المنزلة على رسله.
وذلك لأنهم تكبروا وكذبوا بآيات ربهم، فكانوا عنها غافلين.
فالكبرياء صفة لله وحده؛ لا يقبل فيها شريكاً، وحيثما تكبر الإنسان في الأرض كان ذلك تكبراً في الأرض بغير حق.
وشر التكبر: ادعاء حق الربوبية في الأرض على عباد الله، ومزاولة هذا الحق بالتشريع لهم من دون الله، وتعبيدهم لهذا التشريع الباطل، ومن هذا التكبر تنشأ سائر ألوان التكبر، فهو أساس الشر كله، ومنه ينبعث ويتفجر.
وهؤلاء الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق جبلتهم مقلوبة ضالة، تجنح عن سبيل الرشد حيثما رأته، وتجنح إلى سبيل الغي حيثما لاح لها.
وهذا الصنف من الناس موجود مشهود، يتجنب الرشد، ويتبع الغي، دون جهد
منه، ودون تفكير ولا تدبر.
فهو يعمى عن طريق الرشد ويتجنبه، وينشرح لطريق الغي ويتبعه، إنه يرى الحق باطلاً، والباطل حقاً ويعمل بذلك، ويدعو إلى ذلك، وهو في الوقت ذاته مصروف عن آيات الله الكونية والشرعية، لا يراها ولا يتدبرها، ولا تتأثر بها نفسه، فما أعظمها من عقوبة؟.