وها هو أبو لهب الكافر يقول:"لا تزال دعوة محمد على ابني تشغل بَالي وتُقلِقني ، وأخاف أن أبعث بولدي إلى رحلة الشام كي لا تستجيب السماءُ لدعوة محمد".
وكان من المناسب ألاَّ يخاف ، وجاء ميعاد السفر لقافلة الشام . وسافر أبو لَهَبٍ مع ولديه ، وحين جاء ميعاد النوم أمر أبو لهب الرجال أن يقيموا سياجاً حول ولده وكأن الرجال حوله كخط بارليف الذي بنتْه إسرائيل على قناة السويس ليمنع عنها صَيْحة النصر التي حملت صرخة الله أكبر ثم أصبح الصبح فوجدوا أن وحشاً قد نهش ابن أبي لَهَب .
وقال الناس: كان أبو لَهَب يخشى دعوة محمد ؛ ورغم ذلك فقد تحققت . فقال واحد: ولكن محمداً دعا أن ينهشَه كلب وقال له"أكلك كلب من كلاب الله"ولم يَقُلْ فلينهشْكَ سبع ، فرد عليه مَنْ سمعه: وهل إذا نُسب كلب الله أيكون كلباً؟ لابد أن يكون الكائن المنسوب لله كبيراً .
وهكذا دَقَّتْ القارعة بيت الرجل الذي أصرَّ على الكفر ، وتحقق قول الله: {وَلاَ يَزَالُ الذين كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ ...} [الرعد: 31]
نعم ، فهم قد أسرفوا في الكُفْر والعِناد ؛ فجاءتْهم القارعة ؛ والقارعة هي الشيء الذي يطرق بعنف على هادئ ساكن ، ومنها نأخذ قَرْع الباب ، وهناك فَرْق بين"نَقْر البابِ"و"قَرْع الباب".
وقَوْل الحق سبحانه: {أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ ...} [الرعد: 31]
يُوضِّحه أمْر صُلْح الحديبية الذي جاء بشارةً للمسلمين ؛ فقد صار كفار قريش يفاوضون رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث بالسرايا إلى المناطق المحيطة بمكة ؛ فتأتي القبائل أفواجاً وهي تعلن إسلامها ؛ ويبلغ ذلك قريشاً بأن الإسلام يواصل زَحْفه ؛ ثم تأتيهم القارعة بأن يدخل الرسول صلى الله عليه وسلم مكة ؛ ويتحقق وعد الله بأن يدخلوا هم أيضاً إلى حظيرة الإسلام .