وفرع على الجملتين {أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً} استفهاماً إنكارياً إنكاراً لانتفاء يَأسي الذين آمنوا ، أي فهم حقيقون بزوال يأسهم وأن يعلموا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً.
وفي هذا الكلام زيادة تقرير لمضمون جملة {قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب} [سورة الرعد: 27] .
وييأس بمعنى يوقن ويعلم ، ولا يستعمل هذا الفعل إلا مع {أن} المصدرية ، وأصله مشتق من اليَأس الّذي هو تيقّن عدم حصول المطلوب بعد البحث ، فاستعمل في مطلق اليقين على طريقة المجاز المرسل بعلاقة اللزوم لتضمن معنى اليأس معنى العلم وشاع ذلك حتى صار حقيقة ، ومنه قول سُحَيم بن وَثيل الرياحي:
أقول لهم بالشّعْب إذ يَيْسَرُونَنِي
ألم تأيسوا أني ابنُ فارس زهدم...
وشواهد أخرى.
وقد قيل: إن استعمال يَئِس بمعنى عَلِم لغة هَوازن أو لغة بنِي وَهْبيل (فخذ من النخَع سمي باسم جَد) .
وليس هنالك ما يلجئ إلى هذا.
هذا إذا جعل {أن لو يشاء الله} مفعولاً ل {ييأس} .
ويجوز أن يكون متعلق {ييأسْ} محذوفاً دل عليه المقام.
تقديره: مِن إيمان هَؤلاء ، ويكونَ {أن لو يشاء الله} مجروراً بلام تعليل محذوفة.
والتقدير: لأنه لو يشاء الله لهدى الناس ، فيكون تعليلاً لإنكار عَدَم يأسهم على تقدير حصوله.
{وَلاَ يَزَالُ الذين كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ حتى يَأْتِىَ وَعْدُ الله إِنَّ الله لاَ يُخْلِفُ الميعاد} .
معطوفة على جملة {ولو أن قرآناً سيرت به الجبال} على بعض الوجوه في تلك الجملة.
وهي تهديد بالوعيد على تعنتهم وإصرارهم على عدم الاعتراف بمعجزة القرآن ، وتهكمهم باستعجال العذاب الذي توعدوا به ، فهددوا بما سيحلّ بهم من الخوف بحلول الكتائب والسرايا بهم تنال الذين حلّت فيهم وتخيف من حولهم حتى يأتي وعد الله بيوم بدر أو فتح مكّة.