الثالث: أن يكونَ على حذف"مَنْ"الموصولة ، أي: ومَنْ هو سارِبٌ ، وهذا إنما يَتَمَشَّى عند الكوفيين ، فإنهم يُجيزون حَذْفَ الموصول ، وقد تقدَّم استدلالُهم ذلك .
والسَّارِب: اسمُ فاعلٍ مِنْ سَرَبَ يَسْرُبُ ، أي: تَصَرَّف كيف شاء . قال:
2844 - أنَّى سَرَبْتِ وكنتِ غيرَ سَرُوْبِ ... وتُقَرِّبُ الأحلامُ غيرَ قريبِ
وقال آخر:
2845 - وكلُّ أُناسٍ قاربوا قَيْدَ فَحْلِهِمْ ... ونحنُ خَلَعْنَا قَيْدَهُ فهو سارِبُ
أي: متصرِّفٌ كيف تَوَجَّه ، لا يدفعه أحدٌ عن مَرْعى ، يَصِفُ قومه بالمَنَعَة والقوة .
{لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ}
قوله تعالى: {لَهُ} الضميرُ فيه أربعةُ أوجهٍ ، أحدها: أنه عائدٌ على"مَنْ"المكررة ، أي: لِمَنْ أسرَّ القولَ ولِمَنْ جَهَرَ به ولِمَنْ استخفى وسَرَب مُعَقِّبات ، أي: جماعة من الملائكة يَعْقُبُ بعضُهم بعضاً . الثاني: أنه يعود على"مَنْ"الأخيرةِ ، وهو قولُ ابن عباس . قال ابنُ عطية:"والمُعَقِّبات على هذا: حَرَسُ الرَّجُلِ وجَلاوِزَتُه الذين يحفطونَه . قالوا: والآيةُ على هذا في الرؤساء الكفارِ ، واختاره الطبري في آخرين"، إلا أنَّ الماورديَّ ذكر على التأويلِ أنَّ الكلامَ نفيٌ ، والتقدير: لا يحفطونه . وهذا ينبغي أن [لا] يُسْمَعَ البتة ، كيف يَبْرُزُ كلامٌ موجَبٌ ويُراد به نفي؟ وحَذْفُ"لا"إنما يجوز إذا كان المنفيُّ مضارعاً في جوابِ قسمٍ نحو: {تَالله تَفْتَؤُاْ} [يوسف: 85] وقد تقدَّم تحريرُه ، وإنما معنى الكلام - كما قال المهدوي - يحفظونه مِنْ أمرِ اللهِ في ظنِّه وزعمه .
الثالث: أنَّ الضميرَ في"له"يعود على الله تعالى ذِكْرُه ، وفي"يَحْفظونه"للعبد ، أي: لله ملائكةٌ يحفظون العبدَ من الآفات ، ويحفطون عليه أعمالَه ، قاله الحسن .