ولعلنا لاحظنا أن نوعية التفصيل في القرآن تختلف عن أي نوع من أنواع التفصيل المعروف عند البشر، لقد ظهر الله عزّ وجل في القرآن كما ظهر في هذا الكون، فهو الظاهر بآياته، سواء كانت آياته في الكون، أو آياته في القرآن. وكما أنك ترى الكون أجزاء وأجزاء، وكل جزء فيه يرجع إلى أصل كبير، ثم تجد الأشياء كلها ترجع إلى نوع عجيب من الوحدة يعرفه العالمون. كنا أشرنا إليه في كتابنا عن الله جل جلاله - فكذلك هذا القرآن يظن الجاهل أنه لا رابطة بين آياته فضلا عن سوره، ولكن من فتح الله على قلبه يرى كيف أن هذا القرآن كهذا الكون، تجده على أدق نظام، وعلى أدق ترتيب، وعلى أدق انسجام، وعلى أعظم مظهر من مظاهر الوحدة الكلية التي
تربط بين آياته وسوره، مما لا يعرف حتى العالمون عنه إلا القليل. ونحب قبل أن نبدأ عرض سورة الرعد أن نلفت النظر إلى أن قضية الضلال والهداية وأسبابهما، وهي من المعاني الرئيسية في سورة الرعد فليتنبه لذلك لأن فهم هذه القضية يشكل جزءا عظيما من أجزاء المعرفة الصحيحة. تتألف السورة من مقدمة هي آية واحدة، وثلاثة مقاطع كما سنرى.
المقدمة:
وهي آية واحدة وهذه هي:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة الرعد (13) : آية 1]
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
المر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (1)
التفسير:
في هذه المقدمة ثلاثة معان:
1 -المر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ تلك إشارة إلى آيات هذه السورة، والمراد بالكتاب - والله أعلم - في هذا المقام هذا الجزء منه، وهو هذه السورة من باب ذكر العام وإرادة الخاص، والإشارة بتلك تفيد التفخيم والتعظيم. والمعنى: تلك الآيات آيات السورة الكاملة العجيبة في بابها. فهذا هو المعنى الأول، وفيه تنبيه على جلالة هذه السورة في هذا القرآن الجليل.
2 -وَالَّذِي أُنْزِلَ أي القرآن كله إِلَيْكَ يا محمد مِنْ رَبِّكَ الله الْحَقُّ فالقرآن كله حق، وهو منزل من الله على محمد صلى الله عليه وسلم، فهذا هو المعنى الثاني