{وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالسيئة قَبْلَ الحسنة ...}
والاستعجال أن تطلب الشيء قبل زمنه ، وتقصير الزمن عن الغاية ، فأنت حين تريد غاية ما ؛ فأنت تحتاج لزمن يختلف من غاية لأخرى ، وحين تتعجل غايةً ، فأنت تريد أنْ تصل إليها قبل زمنها .
وكل اختيار للتعجُّل أو الاستبطاء له مميزاته وعيوبه ، فهل الاستعجال هنا لمصلحة أمر مطلوب؟
إنهم هنا يستعجلون بالسيئة قبل الحسنة ، وهذا دليل على اختلال وخُلْف موازين تفكيرهم ، وقد سبق لهم أن قالوا: {وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرض يَنْبُوعاً * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنهار خِلالَهَا تَفْجِيراً * أَوْ تُسْقِطَ السمآء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً ...} [الإسراء: 90 - 92]
وهكذا نجد هؤلاء الكافرين وهم يستعجلون بالسيئة قبل الحسنة ، كما استعجلوا أنْ تنزل عليهم الحجارة ، وهم لا يعرفون أنْ كل عذاب له مدة ، وله ميعاد موقوت . ولم يفكروا في أنْ يقولوا:"اللهم إنْ كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه".
بل إنهم قالوا: {... اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأنفال: 32]
وهكذا أوضح لنا الحق سبحانه ما وصلوا إليه من خَلل في نفوسهم وفسادها ؛ ذلك أن مقاييسهم انتهت إلى الكفر ، وليس أدلّ على فساد المقاييس إلا استعجالهم للسيئة قبل الحسنة ؛ لأن العاقل حين يُخيَّر بين أمرين ؛ فهو يستعجل الحسنة ؛ لأنها تنفع ، ويستبعد السيئة .
وما دامت نفوس هؤلاء الكافرين فاسدة ؛ وما دامت مقاييسهم مُخْتلة ، فلابد أن السبب في ذلك هو الكفر .
إذن: فاستعجال السيئة قبل الحسنة بالنسبة للشخص أو للجماعة ؛ دليلُ حُمْق الاختيار في البدائل ؛ فلو أنهم أرادوا الاستعجال الحقيقي للنافع لهم ؛ لاستعجلوا الحسنة ولم يستعجلوا السيئة .