ويصفهم الحق سبحانه: {أولئك الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ ...} [الرعد: 5]
أي: أن هؤلاء المكذبين لك يا محمد والمنكرين للبعث لم يكفروا فقط بالله الذي أوجب التكليف العبادي ؛ بل هم يكفرون بالربوبية التي تعطي المؤمن والكافر ؛ والطائع والعاصي ، وتأتمر بأمرها الأسباب لتستجيب لأي مجتهد يتبع قوانين الاجتهاد ، فيأخذ من عطاءات الربوبية ؛ وهي عطاءات التشريف التي تضمن الرزق ، بينما عطاءات الألوهية ؛ هي تكليفات بالطاعة للأوامر التعبدية ؛ الممثلة في"افعل"و"لا تفعل". وسبحانه لا يكلف الإنسان إلا بعد أن يبلغ الإنسان درجة النضج التي تؤهله ؛ لأن ينجب مثيلاً له ؛ وقد ترك الحق سبحانه كل إنسان يرتع في خير النعم التي أسبغها سبحانه على البشر ، وكان على الإنسان أن يسعى إلى الإيمان فور أن تصله الدعوة من الرسول المبلغ عن الله ؛ هذا الرسول المشهود له بالصدق والأمانة . ولذلك نجد الحق سبحانه وهو يصف المنكرين للإيمان: {أولئك الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ ...} [الرعد: 5]
ويضيف: {... وَأُوْلَئِكَ الأغلال في أَعْنَاقِهِمْ وأولئك أَصْحَابُ النار هُمْ فِيهَا خَالِدونَ} [الرعد: 5]
والغُّلّ: هو طَوْق الحديد الذي له طرف في كل يد لِيُقيدها ؛ وطرف مُعلَّق في الرقبة لِيُقلل من مساحة حركة اليدين ، ولمزيد من الإذلال .
وهم أصحاب النار ؛ وكلمة"صاحب"تُطلق على مَنْ تعرفه معرفةً تروق كيانك وذاتك ؛ فهناك مَنْ تصاحبه ؛ وهناك من تصادقه ؛ وهناك من تؤاخيه ؛ وهناك من تعرفه معرفة سطحية ، ولا تقيم علاقة عميقة معه .
إن المعرفة مراتب ، والصحبة تآلف وتجاذب بين اثنين ؛ ومَنْ يصاحب النار فهو مَنْ تعشقه النار ، ويعشق هو النار ، ويجب كل منهما ملازمة الآخر ألاَ تقول النار لربها يوم القيامة: {... هَلْ مِن مَّزِيدٍ} [ق: 30]
أي: أن العذاب نفسه يكون مَشُوقاً أنْ يصلَ إلى العاصي .
ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: