وهكذا نفهم أن التكوين هو تكوين نسبيّ للعناصر ، كذا من الحديد ؛ كذا من الصوديوم ؛ كذا من المغنسيوم ؛ وهكذا .
إذن: فالجزاء في اليوم الآخر عملية عقلية لازمة ، يقول الحق: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [البقرة: 28]
ما دام هناك أمر ؛ وهناك نهي ؛ وهناك نهي ؛ وهناك منهج واضح يُبيِّن كل شيء . وإنْ كنت تعجبُ يا محمد من الكفار وما يثيرونه من أقضية ، فَلَكَ أنْ تعجب لأنها أمور تستحق العجب .
والحق سبحانه حين يخاطب الخَلْق فهو يخاطبهم إمَّا في أمر يشكُّون فيه ، أو في أمر لا يشكُّ فيه أحد .
والمَثَل من حياتنا ولله المَثَلُ الأعلى حين تخاطب أنت واحداً في أمر يَشُكُّ هو فيه ؛ فأنت تحاول أن تؤكد هذا الأمر بكل الطرق ، وهكذا وجدنا بعضاً من الناس ينكرون البعث والحساب ؛ ووجدنا الحق سبحانه وتعالى يُذكِّرهم به عبر رسوله ويؤكده لهم .
وأيضاً خاطبهم الحق سبحانه فيما لم يَشكُّوا فيه ؛ وهو الموت ؛ وقال: {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الموت ...} [آل عمران: 185]
ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم:"ما رأيت يقيناً أشبه بالشك من يقين الناس بالموت".
فالموت يقين ، ولكن لا أحد يحاول التفكير في أنه قادم ، وسبحانه يقول: {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلك لَمَيِّتُونَ} [المؤمنون: 15]
وهذا تأكيد لأمر يُجمع الناس على أنه واقع ، لكنهم لغفلتهم عنه بَدَوْا كالمنكرين له ، لذلك خاطبهم خطابَ المنكرين ، ثم قال بعد ذلك: {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القيامة تُبْعَثُونَ} [المؤمنون: 16]
ولم يَقُل:"ولتبعثون"لأن البعث مسألة لا تحتاج إلى تأكيد ، وعدم التأكيد هنا آكد من التأكيد ، لأن أمر الموت واضح جداً رغم الغفلة عنه ، أما البعث فهو واقع لا محالة بحيث لا يحتاج إلى تأكيد .