واعلم أن فيما قاله إخوة يوسف له عليه السلام من هنا إلى {المتصدقين} تعليم آداب الدعاء والرجوع إلى الأكابر ومخاطبة السادات فمن لم يرجع إلى باب سيده بالذلة والافتقار وتذليل النفس وتصغير ما يبدو منها وير أن ما من سيده إليه على طريق الصدقة والفضل لا على طريق الاستحقاق كان مبعداً مطروداً ، وينبغي لعشاق جمال القدم إذا دخلوا الحضرة أن يقولوا: يا أيها العزيز مسنا وأهلنا من ضر فراقك والبعد عن ساحة وصالك ما لا يحتمله الصم الصلاب:
خليلي ما ألقاه في الحب إن يدم...
على صخرة صماء ينفلق الصخر
ويقولوا: {جِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ} من أعمال معلولة وأفعال مغشوشة ومعرفة قليلة لم تحط بذرة من أنوار عظمتك وكل ذلك لا يليق بكمال عزتك وجلال صمديتك {فَأَوْفِ لَنَا} كيل قربك من بيادر جودك وفضلك {وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا} [يوسف: 88] بنعم مشاهدتك فإنه إذا عومل المخلوق بما عومل فمعاملة الخالق بذلك أولى {قَالُواْ أَءنَّكَ لاَنتَ يُوسُفُ} خاطبوه بعد المعرفة بخطاب المودة لا بخطاب التكلف ، وفيه من حسن الظن فيه عليه السلام ما فيه:
إذا صفت المودة بين قوم...
ودام ولاؤهم سمج الثناء
ويمكن أن يقال: إنهم لما عرفوه سقطت عنهم الهيبة وهاجت الحمية فلم يكلموه على النمط الأول ، وقوله: {قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وهذا أَخِى} [يوسف: 90] جواب لهم لكن زيادة {وهذا أَخِى} قيل: لتهوين حال بديهة الحجل ، وقيل: للإشارة إلى أن إخوتهم لا تعد إخوة لأن الإخوة الصحيحة ما لم يكن فيها جفاء ، ثم إنه عليه السلام لما رأى اعترافهم واعتذارهم قال: {لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ اليوم يَغْفِرُ الله لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرحمين} [يوسف: 92] وهذا من شرائط الكرم فالكريم إذا قدر عفا:
والعذر عند كرام الناس مقبول...