وذكر بعض السادة أن النفس تترقى بواسطة المجاهدة والرياضة من مرتبة كونها أمارة إلى مرتبة أخرى من كونها لوامة وراضية ومرضية ومطمئنة وغير ذلك وجعلوا لها في كل مرتبة ذكراً مخصوصاً وأطنبوا في ذلك فيرجع إليه {قَالَ اجعلنى على خَزَائِنِ الأرض إِنّى حَفِيظٌ عَلِيمٌ} [يوسف: 55] قيل: خزائن الأرض رجالها أي اجعلني عليهم أميناً فإني حفيظ لما يظهرونه ، عليم بما يضمرونه ، وقيل: أراد الظاهر إلا أنه أشار إلى أنه متمكن من التصرف مع عدم الغفلة أي حفيظ للأنفاس بالذكر وللخواطر بالفكر ، عليم بسواكن الغيوب وخفايا الأسرار {وَجَاء إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ} [يوسف: 58] قال بعضهم: لما جفوه صار جفاؤهم حجاباً بينهم وبين معرفتهم إياه وكذلك المعاصي تكون حجاباً على وجه معرفة الله تعالى {قَالَ ائتونى بِأَخٍ لَّكُمْ مّنْ أَبِيكُمْ} [يوسف: 59] كأنه عليه السلام أمر بذلك ليكمل لأبيه عليه السلام مقام الحزن الذي هو كما قال الشيخ الأكبر قدس سره: من أعلى المقامات ، وقال بعضهم: إن علاقة المحبة كانت بين يوسف ويعقوب عليهما السلام من الجانبين فتعلق أحدهما بالآخر كتعلق الآخر به كما يرى ذلك في بعض العشاق مع من يعشقونه وأنشدوا:
لم يكن المجنون في حالة...
إلا وقد كنت كما
كانا لكنه باح بسر الهوى...
وإنني قد ذبت كتمانا
فغار عليه السلام أن ينظر أبوه إلى أخيه نظره إليه فيكونا شركين في ذلك والمحب غيور فطلب أن يأتوه به لذلك ، والحق أن الأمر كان عن وحي لحكمة غير هذه {وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لّمَا عَلَّمْنَاهُ} [يوسف: 68] إشارة إلى العلم اللدني وهو على نوعين.