وجملة قوله: {نُوحِي إِلَيْهِمْ} صفة أولى لـ {رَجُلًا} ؛ أي: نوحي إليهم على لسان الملك كما نوحي إليك. وقوله: {مِنْ أَهْلِ الْقُرَى} صفة ثانية له، وكأن تقديم هذه الصفة على ما قبلها أكثر استعمالًا؛ لأنها أقرب إلى المفرد؛ أي: من أهل الأمصار دون أهل البوادي؛ لغلبة الجهل والقسوة والجفاء عليهم. والمراد بالقرية: الحضر خلاف البادية، فتشمل المصر الجامع وغيره؛ لأن أهل الأمصار أفضل وأعلم وأكمل عقلًا من أهل البوادي. قال الحسن: لم يبعث نبيٌّ من بدو ولا من الجن ولا من النساء. والمعنى: كيف تعجَّبوا من إرسالنا إياك يا محمد وسائر الرسل الذين كانوا من قبلك بشر مثلك حالهم كحالك!.
فَإِنْ قُلْتَ: إن قوله: {مِنْ أَهْلِ الْقُرَى} يعارضه قوله: {وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ} ؛ لأنه يقتضي أن يعقوب وأولاده كانوا من أهل البادية؟
قلت: لم يكن يعقوب وأولاده من أهل البادية، بل خرجوا إليها لمواشيهم. وقرأ أبو عبد الرحمن وطلحة وحفص: {نُوحِي} - بالنون وكسر الحاء - مبنيًّا للفاعل موافقًا لقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا} . وقرأ الجمهور بالياء وفتح الحاء مبنيًّا للمفعول.