قال القاضي أبو محمد: وقد وصف الله تعالى يونس عليه السلام بمكظوم في قوله {إذ نادى وهو مكظوم} [القلم: 48] وهذا إنما يتجه على تقدير أنه مليء بحزنه ، فكأنه كظم بثه في صدره ، وجري كظيم على باب كاظم أبين. وفسر ناس"الكظيم"بالمكروب وبالمكمود - وذلك كله متقارب - وقال منذر بن سعيد: الأسف إذا كان من جهة من هو أقل من الإنسان فهو غضب ، ومنه قول الله تعالى: {فلما آسفونا انتقمنا منهم} [الزخرف: 55] ومنه قول الرجل الذي ذهبت لخادمه الشاة من الغنم: فأسفت فلطمتها ؛ وإذا كان من جهة لا يطيقها فهو حزن وهم.
قال القاضي أبو محمد: وتحرير هذا المنزع: أن الأسف يقال في الغضب ويقال في الحزن ، وكل واحد من هذين يحزر حاله التي يقال عليها ، وقوله تعالى: {قالوا تالله تفتأ} الآية ، المعنى تالله لا تفتأ فتحذف لا في هذه الموضع من القسم لدلالة الكلام عليها فمن ذلك قول امرئ القيس: [الطويل]
فقلت يمين الله أبرح قاعداً... ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي
ومنه قول الآخر:
تالله يبقى على الأيام ذو حيد... بمشمخر به الظيان والآس
أراد لا يبرح ولا يبقى ، وقال الزجاجي: وقد تحذف أيضاً ما في هذا الموضع.
قال القاضي أبو محمد: وخطأه بعض النحويين ، ومن المواضع التي حذفت فيها لا ويدل عليها الكلام قول الشاعر: [الطويل]
فلا وأبي دهماء زالت عزيزة... على قومها ما قبل الزَّنْدَ قادِحُ
وقوله ما قبل الزند قادح يوجب أن المحذوف"لا"، وليست"ما"، وفتئ بمنزلة زال وبرح في المعنى والعمل ، تقول: والله لا فتئت قاعداً كما تقول: لا زلت ولا برحت ، ومنه قول أوس بن حجر: [الطويل]
فما فتئت حتى كأن غبارها... سرادق يوم ذي رياح يرفَّع